
برحيل الفنان المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي، تفقد الساحة الفنية أحد أبرز رموزها الذين أسّسوا لنهضة الأغنية المغربية الحديثة، وتركوا بصمة لا تُمحى في وجدان الجمهور داخل المغرب وخارجه. فقد كان الدكالي مدرسة فنية قائمة بذاتها، جمعت بين الإحساس العالي، واللحن المتقن، والكلمة الراقية.
وُلد سنة 1941 بمدينة فاس، حيث تشكّلت ملامح موهبته الأولى في بيئة مشبعة بالثقافة والفن. ثم انتقل إلى الرباط لمتابعة تكوينه الموسيقي بـ المعهد الموسيقي بالرباط، وهناك صقل أدواته العلمية والفنية، قبل أن يسطع نجمه منذ ستينيات القرن الماضي.
تميّز الراحل بقدرته الفريدة على الجمع بين الأصالة المغربية والروح العصرية، فكان صوته جسرًا بين الأجيال، وألحانه مساحة يلتقي فيها الذوق الرفيع مع البساطة الآسرة. تعامل مع نخبة من الشعراء، وقدم أعمالًا خالدة حملت رسائل إنسانية ووطنية وعاطفية، ظلّت راسخة في الذاكرة الفنية.
من بين روائعه التي لا تزال تتردد على الألسن: “مرسول الحب”، “كان يا مكان”، “ما أنا إلا بشر”، “الساقية الحمراء”، “قطار الحياة”، و“أحضان الحبايب”، وغيرها من الأغاني التي أصبحت جزءًا من التراث الغنائي المغربي. وكان حضوره فوق الخشبة يتسم بالوقار والهدوء، مع تركيز واضح على جودة الأداء وسمو الرسالة الفنية.
امتد إشعاع عبد الوهاب الدكالي إلى خارج حدود الوطن، فمثّل الأغنية المغربية في محافل عربية ودولية، ونال تقديرًا واسعًا تُوّج بعدة أوسمة وتكريمات اعترافًا بمساره الفني الطويل وإسهامه في التعريف بالموسيقى المغربية.
وعُرف الراحل بابتعاده عن الأضواء والصراعات، مفضّلًا أن يظل فنه هو المتحدث باسمه. ورغم قلة ظهوره في السنوات الأخيرة، ظل حضوره قويًا في وجدان محبيه، باعتباره أحد آخر الأصوات التي تختزل زمن الفن الجميل.
برحيله، تنطفئ شمعة من شموع الطرب المغربي الأصيل، لكن صوته سيبقى حيًا في الذاكرة، وأعماله ستظل شاهدة على مسيرة فنان آمن بأن الفن رسالة، وأن الجمال قيمة تستحق أن تُصان.
