
لطالما كانت كرة القدم مرآة الشعوب العربية والإفريقية. فيها نرى نشوة الانتصار، وفيها نتجرع مرارة السقوط في الوقت القاتل.
ما حدث مع كوت ديفوار، والسنغال، والآن مصر، ليس مجرد خروج من دورة. إنه سيناريو متكرر ومؤلم: منتخبات تلمس المجد بأطراف الأصابع، ثم تسقط في الدقائق الأخيرة بطريقة تقتل الحلم.
وهي خسارة نفسية أثقل بكثير من هزيمة واضحة كما حدث للبرازيل وألمانيا.و
من الطبيعي أن يبحث الإعلام عن مبرر. لكن الذاكرة الكروية لا ترحم.
المغرب لا يزال يتذكر « مؤامرة » النرويج والبرازيل في 1998، و »المجزرة التحكيمية » ضد إسبانيا في 2018. لكنه لم يبكِ طويلاً. عاد في قطر ورد اعتباره داخل الميدان وأقصى إسبانيا.

أما السنغال، فبينما اختارت المواجهة في نهائي كأس إفريقيا بالمغرب، اختارت في أمريكا « دفن الرأس في الرمل » وتفادي الصدام.البعض منا
نأسف بصدق لخروج مصر، ولشعبها الكبير. لكن التعامل مع الجمهور له أثمان.
ساكنة أكادير استقبلوا المنتخب المصري في ملعب أدرار بالورود وعوائلهم وأطفالهم. فكان الرد تصريحات من مدرب المنتخب تسيء للمغرب وتنظيمه وشعبه.
النتيجة؟ انقسام. اليوم تجد من يتمنى أي هدف ضد مصر، ليس كرهاً في مصر، ولكن رداً على غرور مدربها. وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه مدرب جنوب إفريقيا ومدرب السنغال سابقاً.و
دور الإعلام اليوم ليس البكاء على التحكيم. جربناه في المغرب ولم يغير شيئاً. و
الحقيقة هي أن منتخب مصر، بخيارات مدربه، لم يدبر المباراة بعد الهدف الثاني. تراجع مبالغ فيه، وتغييرات كارثية يفهمها أي متتبع.
نفس السيناريو الذي أطاح بالسنغال عندما بحث مدربها عن « مضاعفة الغلة » فتلقى العقوبة مضاعفة.وة
اليوم، وبخروج مصر، بقي المغرب الممثل الوحيد للقارتين الإفريقية والعربية.
وهنا ينقسم الشارع: بين من يتمنى له المجد، وبين من يتمنى له نفس السيناريو المر.
لكن كرة القدم لا تُفصّل على المقاس. لو كانت هناك « مؤامرات جاهزة » لما خسرت أمريكا والمكسيك وكندا برباعية، ولما غاب ميسي عن النهائي لو سجل مهاجم فرنسا فرصته الأخيرة في 2022.
ولو أحسن مدرب مصر إدارة التفاصيل، لما رأينا الأرجنتين حتى في الربع.كما أن
الشعوب تعشق أحياناً نظرية المؤامرة، وتلبس ثوب الضحية عند الهزيمة، وترفع شعارات العنترية عند الفوز العابر.
الصفحة طُويت. والرسالة للإعلام والجمهور المصري: المستقبل يحتاج مراجعة شاملة.
مباريات خروج المغلوب لا تُربح بـ « الكرينتا » والقتالية فقط. تحتاج لاعبين ومدربين محترفين يديرون أدق التفاصيل. هذا هو الفارق بين من يتطور علمياً ومن يكتفي بالحماسة.
والسؤال الآن للمغرب:
أمامنا فرنسا غداً. فرصة تاريخية لنكون أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف النهائي مرتين متتاليتين.
فهل استفدنا من دروس الماضي؟ هل تعلمنا كيف لا نُـلدغ من نفس الجحر مرتين؟

