
مع حلول فصل الصيف، تكتظ شواطئ بلادنا الممتدة من طنجة شمالاً إلى الكويرة جنوباً بالمصطافين الباحثين عن البحر والرمال الذهبية. وهو حق مشروع كفله الدستور لكل المغاربة. إلا أن هذا المشهد يعكس واقعاً آخر يعيشه جزء من المواطنين ممن اختاروا نمط حياة ملتزم بضوابط شرعية ودينية.و
تتحدث أسر مغربية ملتزمة عن « ويلات » البحث عن فضاءات بحرية تسمح لهم بالاستمتاع بالشمس والبحر دون مخالفة قناعاتهم الدينية.
المشكل الأكبر، حسب شهادات جمعها موقع الدولية للإعلام ، يتعلق بالنساء والبنات اللواتي يرغبن في السباحة بملابس فضفاضة لا تصف ولا تشف، بعيداً عن أماكن الاختلاط التي قد تتضمن ما يخالف الحياء العام.
« نضطر للسفر عشرات الكيلومترات بحثاً عن شاطئ هادئ، وغالباً بدون جدوى. في النهاية نلجأ للسياحة الجبلية بدل البحر » تقول إحدى السيدات من الدار البيضاء.و
يطرح هذا الواقع سؤالاً حقوقياً: هل للملتزمين ديناً الحق في فضاءات عمومية تراعي خصوصيتهم؟ بما ان
الدستور المغربي: ينص فيه الفصل 19 على أن « يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ». كما يؤكد الفصل 24 على « حرية التنقل عبر التراب الوطني ». والفصل 3 ينص على أن « الإسلام دين الدولة ». مبدأ المواطنة : المواطنة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. وحق الاستفادة من المرافق العمومية كالشواطئ هو حق لكل مواطن دون تمييز.
مبدأ عدم الإضرار : الفقه القانوني يقوم على قاعدة « لا ضرر ولا ضرار ». فكما أن للمواطن الحق في ارتياد الشاطئ بلباسه المعتاد، فمن حق مواطن آخر أن يجد فضاءً لا يشعر فيه بالحرج الديني.
يستند مطلب هذه الفئة إلى المرجعية الدينية للدولة. والمغرب يعتمد المذهب المالكي مذهباً رسمياً.
في الفقه المالكي: عورة المرأة أمام الأجانب هي جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين على خلاف مشهور. وعورة الرجل من السرة إلى الركبة.
قاعدة سد الذرائع: يستدل بها الفقهاء على منع ما قد يؤدي إلى الحرام، ومنها الاختلاط غير المنضبط في أماكن السباحة.
قاعدة « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر »: يراها الملتزمون واجباً مجتمعياً، لا يعني منع الآخرين، بل المطالبة بحقهم في خيار آخر.كما في
عدة دول التي تعتمد سياسة « تنوع العرض » في شواطئها:
تخصيص أوقات أو أيام معينة للعائلات.
تخصيص شواطئ ذات خصوصية أكبر بسياجات طبيعية أو حواجز.
حملات توعية بالاحترام المتبادل وآداب ارتياد الفضاء العام. و أكد مواطنون أن الحل لا يكمن في « فصل » الناس، بل في « تعدد الخيارات » داخل الفضاء العمومي. فالشاطئ مرفق عام يجب أن يستوعب تعدد أنماط التدين والثقافة داخل المجتمع المغربي.ويبقى
السؤال المطروح ليس « من له الحق في البحر؟ » فالبحر ملك للجميع. بل هل يمكن تدبير الفضاء العام بما يضمن حق الجميع في الاستمتاع دون المساس بحقوق وحريات الآخر؟،
في ظل دستور يؤكد على المساواة وعلى ثوابت الأمة الإسلامية، وعلى مذهب فقهي يراعي خصوصية المجتمع، يبقى مطلب توفير فضاءات للاستجمام المحتشم مطلباً حقوقياً واجتماعياً يستحق النقاش العمومي، بعيداً عن التأزيم وبمنطق « الكل يستفيد ».

