
بقلم عبدالرحيم بخاش
هناك شعوبٌ تُقيم مواسمها لتحتفي بالعلم، وأخرى تجعل من مناسباتها منصاتٍ للابتكار والإنتاج، بينما لا نزال، في كل عام، نُعيد المشهد نفسه، وكأن الزمن توقف عند عتبة الخيمة، وعند غبار « التبوريدة »، وعند طقوسٍ يختلف حولها الدين، ويُحاكمها العقل، ولا تستطيع التنمية أن تجد لها مكانًا في سجل الإنجازات.
لسنا ضد التراث، فالتراث ذاكرة الأمم، لكننا ضد أن يتحول إلى ستارٍ يُحجب به السؤال، أو إلى قداسةٍ تمنع النقد. فما قيمة موسمٍ ينتهي بانتهاء آخر سهرة، ثم تعود المنطقة إلى همومها اليومية، وكأن شيئًا لم يكن؟ وما جدوى احتفالٍ لا يترك خلفه مصنعًا، ولا مدرسةً، ولا مستشفى، ولا فرصة عمل، ولا مشروعًا يُغيّر حياة الناس؟
ثم إن من حق المواطن أن يسأل: كم تُنفق هذه المواسم؟ ومن أين تُموَّل؟ وما حجم مردودها الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي؟ فالأموال التي تُصرف باسم الثقافة والتراث ينبغي أن تُقاس بنتائجها، لا بصخبها، ولا بعدد الخيام، ولا بطول السهرات.
ويبقى المشهد الأكثر إثارة للتأمل هو ذلك الذي يمتزج فيه الموروث الشعبي بممارسات يراها كثيرون بعيدة عن صفاء العقيدة، حين تُشد الرحال إلى الأضرحة، وتُمارس طقوس يحيط بها الجدل، وكأن خلاص الإنسان يوجد عند الحجر والتراب، لا في التوجه إلى الله وحده. وهو نقاش مشروع، لا ينبغي أن يُقابل بالصمت، لأن الدين نفسه يدعو إلى إعمال العقل، لا إلى تعطيله.
أما السهرات التي تُسوَّق باسم الفن، فإن الفن الحقيقي يسمو بالإنسان، ويرتقي بذوقه، ويوقظ وعيه، ولا يكتفي بأن يملأ الليل صخبًا ثم يترك الصباح أكثر فقرًا في الفكر، وأكثر عطشًا إلى التنمية.
والأكثر غرابة أن هذه المواسم تتكرر عامًا بعد عام، بينما تتكرر معها الأسئلة نفسها، دون أن يجد المواطن جوابًا شافيًا: ماذا ربح الوطن؟ وماذا ربح الإنسان؟ هل انخفضت البطالة؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل ازدهرت المنطقة تنمويًا؟ أم أننا نستهلك الزمن في الاحتفاء بالماضي، بينما المستقبل ينتظر من يلتفت إليه؟
ومع اقتراب كل محطة انتخابية، تصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحًا. فالمواطن لا يريد مواسم موسمية، بل يريد تنمية دائمة. لا يبحث عن احتفال ينتهي بإطفاء آخر مكبر للصوت، بل عن مشروع يبقى أثره في المدرسة، والمستشفى، والطريق، ومجال الشغل.
إن الأمم لا تُقاس بعدد مواسمها، بل بعدد إنجازاتها. ولا تُخلدها الخيام، بل تُخلدها الجامعات، ومراكز البحث، والمصانع، والعدالة الاجتماعية، واحترام عقل المواطن.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة الفرجة إلى ثقافة الإنجاز، ومن تمجيد الطقوس إلى تمجيد الإنسان، ومن إنفاق المال على ما ينتهي في أيام، إلى استثماره فيما يبقى أثره لأجيال.
ويبقى السؤال الكبير، الذي لا يحتاج إلى خطيب ولا إلى شاعر، بل إلى جواب صادق: ماذا جنينا من كل هذه المواسم… غير أنها تتكرر كل عام، بينما تتكرر معها أحلام التنمية المؤجلة؟
