« مدينة الجديدة » أكلوا الغلة… وسبّوا الملّة

بقلم عبدالرحيم بخاش

الجديدة ليست مدينةً هرِمت، بل مدينةٌ أُنهكت على أيدي من ادّعوا حبها، ثم خانوها بالفعل وإن تغنّوا بها بالقول. مدينةٌ أنجبت رجالاً، فإذا ببعض من صنعت أسماءهم، وفتحت لهم أبواب الرياضة والسياسة والعمل العام، يعودون إليها غرباء، لا يرون فيها سوى منصةٍ للعبور، وسلماً للمناصب، وجسراً إلى الامتيازات
أكلوا من خيرها، وتشبّعوا من خيراتها، وصنعوا أمجادهم فوق ترابها، ثم تركوها تواجه مصيرها وحدها. لم يحملوا همّ الجديدة، بل حملوا همّ كراسيهم. لم يدافعوا عن كرامتها، بل دافع كل واحد عن مصالحه، حتى أصبحت المدينة تدفع ثمن صمت الشرفاء، وضجيج المنتفعين
أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل مدينةً كانت عروس دكالة تتحول إلى دفتر ذكريات؟ أين سينما الريف؟ أين سنيما الملكي؟ أين مرحبا؟ أين ديفور؟ أين سيدي الضاوي؟ أين « المون »؟ أين سيدي بوزيد الذي كان عنواناً للبهجة؟ أين درب غلف، ودرب بن إدريس، ولالة زهرة، وبوشريط، والملاح؟ أين تلك الجديدة التي كانت تضج بالحياة، ويعرف أهلها بعضهم بعضاً بالمحبة لا بالمصلحة؟
لم يبقَ اليوم إلا الذكريات… ووسط هذا الخراب المعنوي، تبقى مقهى « ولد أفيخرة » وكأنها آخر شاهدٍ أمين على زمن الجديدة الجميل. هناك، لا يجتمع الجديديون للحديث عن المناصب ولا عن المصالح، بل ليستعيدوا وجوهاً رحلت، وأحياءً تغيرت، وأياماً كانت المدينة فيها أكبر من الأشخاص، وأنقى من الحسابات، وأجمل من كل ما نراه اليوم. هناك تُروى الذكريات… ويُحاول الناس، ولو لساعات، أن ينسوا مرارة المجريات
إن أكبر مصيبة لم تكن في قلة الإمكانيات، بل في كثرة من باعوا انتماءهم للمدينة بثمنٍ بخس، وجعلوا الولاء للمصلحة فوق الولاء للجديدة. تاجروا باسمها عندما احتاجوا إليها، ثم تخلوا عنها عندما وصلوا إلى ما أرادوا. فأصبحت المدينة تُستغل أكثر مما تُخدم، وتُستنزف أكثر مما تُبنى
ورغم كل هذا، ستظل الجديدة أكبر من المتسلقين، وأبقى من أصحاب المصالح، وأشرف من كل من اعتقد أن المناصب تدوم. أما التاريخ، فلا ينسى، وسيكتب يوماً أن مدينةً اسمها الجديدة لم يهزمها الزمن، وإنما خذلها من أكلوا الغلة… ثم سبّوا الملّة