زمن اختلطت فيه المهنة بالسنطيحة

بقلم عبدالرحيم بخاش

الصحافة ليست « سنطيحة »
إلى من يحمل ميكروفونًا ويعلن في أول دقيقة: أنا صحافي
إلى من يثبت شارة على زجاج سيارته، ويظن أن تلك الشارة تمنحه صك الاحتراف…
إلى من يعجز عن صياغة جملة سليمة، أو طرح سؤال واحد يحترم عقل المتلقي، ثم يتصدر المشهد مدعيًا أنه من أهل الإعلام
وإلى من يحمل هاتفًا في يده، فيتوهم أنه أصبح مصورًا صحافيًا
وإلى من يقتني كاميرا باهظة الثمن، فيظن أن العدسة وحدها تصنع الفن والإبداع…
أقول لهم جميعًا
الصحافة ليست ضجيجًا… بل علمٌ يُدرَّس، وأخلاقٌ تُمارس، ومسؤوليةٌ تُحمل، ورسالةٌ تُؤدَّى. وليست بطاقة تعلق على الصدر، ولا ميكروفونًا يرفع أمام الوجوه، ولا بثًا مباشرًا يملأ الفضاء بالصراخ والفراغ.
أما المصور الصحافي، فليس مجرد شخص يضغط على زر الكاميرا، بل هو فنان يرى ما لا يراه الآخرون، ويقرأ المشهد قبل أن يلتقطه، ويكتب بالصورة ما قد تعجز عنه آلاف الكلمات. إن الصورة الصحافية ليست صدفة، بل ثقافة، وحس، وتكوين، وخبرة، واحترام للمهنة
لقد ابتُلِيت الساحة الإعلامية بأفواج من المتطفلين الذين أساؤوا إلى مهنة شريفة، حتى اختلط المحترف بالهاوي، والعارف بالمدعي، وأصبح كل من اقتنى ميكروفونًا أو هاتفًا يمنح نفسه لقب « صحافي »، وكأن الألقاب توزع في الأسواق لا في الجامعات والمعاهد وتجارب الميدان
إن أخطر ما يهدد الإعلام ليس قلة الوسائل، بل كثرة الأدعياء. فالمهنة التي كانت منبرًا للحقيقة، يحاول البعض اليوم تحويلها إلى مسرح للضجيج والاستعراض وحب الظهور، دون علم، ولا ثقافة، ولا احترام لأبسط قواعد المهنة
ولذلك نقولها بوضوح: ليس كل من حمل ميكروفونًا صحافيًا، وليس كل من حمل كاميرا أو هاتفًا مصورًا صحافيًا. فبين الاحتراف والادعاء مسافة تصنعها المعرفة، والأخلاق، والكفاءة، والتكوين
فإن كانت الوجوه تُعرف بملامحها، فإن بعض الوجوه لا تعرف إلا بـ** »السَّنطيحة »**؛ يكثر أصحابها ضجيجًا، ويقل أثرهم علمًا، ويحسبون أن الصخب يصنع قيمة، وأن الظهور يمنح شرعية، بينما الحقيقة أن الصحافة لا تعترف إلا بمن يحترمها، ويصون شرفها، ويستحق حمل اسمها