أزمة نقل البضائع بدرب عمر: بين مطالب المهنيين وقرارات السلطات لإفراغ المدينة من الشاحنات

توقف مفاجئ صباح اليوم لحركة نقل البضائع من درب عمر إلى باقي المدن المغربية، قبل أن يستأنفوا عملهم بعد الزوال ،و
تشهد منطقة درب عمر بمدينة الدار البيضاء، أكبر قطب تجاري لتوزيع البضائع بالجملة في المغرب، أزمة حادة بين أصحاب الشاحنات المتخصصة في نقل البضائع من جهة، والسلطات المحلية والساكنة والتجار من جهة أخرى. وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها صباح اليوم بإقدام عدد كبير من أصحاب الشاحنات الناقلين للبضائع إلى مختلف مدن المملكة على التوقف المفاجئ عن العمل، في انتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات المرتقبة بين الاطراف المعنية ،و
تتمحور المشكلة الأساسية حول الأضرار اليومية التي يتسبب فيها أصحاب الشاحنات للساكنة وأصحاب المحلات التجارية على حد سواء. إذ يستيقظ هؤلاء الناقلون باكراً ويركنون شاحناتهم الضخمة أمام المحلات التجارية في زنقة كراتشي وزنقة خريبكة وغيرها من الأزقة والشوارع الحيوية بدرب عمر،

مما يتسبب في:
عرقلة حركة الزبائن طوال اليوم، حيث تحتل الشاحنات مساحات واسعة أمام واجهات المحلات. و
حرمان التجار من إدخال أو إخراج بضائعهم من محلاتهم بسبب سد الشاحنات لأبواب المتاجر.
و اختناق الشوارع والأزقة وتعطيل حركة السير والمرور داخل المنطقة التجارية.


إزعاج الساكنة والإضرار بجودة حياتهم اليومية في المنطقة.
وكما جاء في شهادة أحد التجار المتضررين: « إذا جاء الكاميو وحط بلاصة كبيرة قدام المحل، ما خلاكش فين تتنفس، ما خلاكش فين تدخّل سلع ولا تخرّجها ». وهو ما يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها أصحاب المحلات.و قد
انعقد اليوم اجتماع مهم بمقر غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء-سطات، جمع بين ممثلي أصحاب الشاحنات والسلطات المحلية وممثلي التجار. وتجدر الإشارة إلى أن أصحاب الشاحنات يُصنَّفون ضمن فئة « أصحاب الخدمات » ومنهم منخرطون في الغرفة ذاتها، مما يمنحهم الحق في المشاركة في هذه الاجتماعات والمطالبة بحقوقهم المهنية ،

ومنها :
توفير أماكن مخصصة لركن الشاحنات وشحن البضائع بكل حرية وأمان.
ضمان استمرار نشاطهم المهني دون تضييق.
المشاركة في صياغة الحلول بدلاً من فرضها عليهم.كما
أكدت السلطات أن المشكل ليس مع التجار بل مع الساكنة والرأي العام، وأن الشكاوى المتكررة من المواطنين هي التي دفعت إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية. وقد قامت السلطات المحلية الأسابيع الماضية بعملية تحسيسية حثّت فيها أصحاب الشاحنات على التنظيم وعدم نشر الفوضى، والامتناع عن ركن الشاحنات فوق الأرصفة، وعدم التسبب في اختناق الشوارع والأزقة.


قبل ان
تتخذ السلطات المحلية، بتنسيق مع الوالي والعمال، قراراً بإفراغ زنقة كراتشي وزنقة خريبكة وباقي الشوارع الداخلية لدرب عمر من الشاحنات، وذلك في إطار خطة شاملة لتحرير المدينة من الفوضى المرورية الناتجة عن تواجد هذه الشاحنات الضخمة داخل النسيج الحضري.
وقد طالب الوالي أصحاب الشاحنات بإخلاء الشوارع والانتقال إلى المقر المخصص لهم، مع التأكيد على أنه سيتم إيجاد بدائل مناسبة لهم.و
في إطار الحل النهائي والمستدام لهذه الإشكالية، خصص مجلس مدينة الدار البيضاء مساحة تقدر بـ 43 هكتاراً لإنشاء منطقة لوجستيكية في مجاطية أولاد الطالب التابعة لإقليم مديونة. ويهدف هذا المشروع إلى:
تفريغ المدينة بالكامل من الشاحنات الكبيرة المخصصة لنقل البضائع. و
توفير مستودعات (ديبو) لتخزين وتفريغ البضائع بعيداً عن المناطق السكنية والتجارية. و
تحرير مئات أماكن الركن داخل درب عمر، حيث أن إزاحة 240 شاحنة ستوفر مكاناً لحوالي 600 سيارة، مما سيُنعش الحركة التجارية ويُريح الساكنة. و
تنظيم عملية الشحن والتفريغ في ظروف مهنية آمنة ومنظمة. و
رغم أن المشروع اللوجستيكي حظي بموافقة عدد من الجمعيات المهنية خلال اجتماعاتها مع الوالي والعمال، حيث اطلعوا على الدراسة وأبدوا رضاهم، إلا أن فئة من أصحاب الشاحنات ترفض مغادرة درب عمر وتتمسك بالبقاء فيه. ومن أبرز حججهم:
أن 80% من البضائع التي تُشحن من درب عمر تأتي أصلاً من أسواق أخرى وليست حصرياً من درب عمر نفسه. و
رفض بعضهم للإحصائيات المقدمة حول حجم النشاط الحقيقي المرتبط بدرب عمر. و
تخوفهم من فقدان القرب من مصادر البضائع وزبائنهم.
في المقابل، يؤكد المتتبعون أن الأرقام والإحصائيات تُثبت أن نقل النشاط إلى المنطقة اللوجستيكية هو الحل الأمثل، وأن هناك من يشتغل منذ أكثر من ثلاث إلى أربع سنوات على توثيق هذا الملف بالأرقام والأدلة.و
تبقى أزمة الشاحنات بدرب عمر ملفاً معقداً يتطلب التوفيق بين حق المهنيين في ممارسة نشاطهم، وحق الساكنة والتجار في بيئة حضرية منظمة وآمنة. ويبدو أن المنطقة اللوجستيكية بمجاطية أولاد الطالب تمثل الحل الأنسب على المدى البعيد، شريطة أن تُرافَق بإجراءات انتقالية تراعي مصالح جميع الأطراف، وأن يتم تفعيلها في أقرب الآجال لوضع حد لمعاناة المدينة وساكنتها.