حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى سوق للانتقالات

تكشف التحركات السياسية المبكرة التي تسبق كل استحقاق انتخابي عن تنامي ما يمكن تسميته بـ »الميركاتو السياسي »، حيث يصبح الانتقال بين المواقع والانتماءات جزءًا من حسابات انتخابية تتقدم أحيانًا على المبادئ والبرامج والرؤى. ورغم أن هذا السلوك لا يثير، من الناحية الدستورية والقانونية، إشكالًا في حد ذاته ما دام يتم في إطار ما يسمح به القانون، فإنه يطرح، على المستوى السياسي والأخلاقي، أسئلة عميقة حول معنى الالتزام الحزبي ومصداقية العمل السياسي.
فالسياسة هي تعاقد أخلاقي مع المواطن، يقوم على الوفاء للبرنامج والهوية السياسية والاختيارات التي مُنحت على أساسها الثقة. وعندما يتحول المشهد إلى سباق لاستقطاب الأسماءالسريعة:
موسم «الميركاتو السياسي»: حين تتحول التعددية الحزبية من مشروع مجتمعي إلى رهانات التموضع الانتخابي ، و
تكشف التحركات السياسية المبكرة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية في كل دورة، عن تنامي ظاهرة تنظيمية أضحى يُصطلح عليها في الأوساط الإعلامية بـ »الميركاتو السياسي »، حيث يتحول الانتقال بين المواقع والتنظيمات الحزبية إلى جزء من حسابات براغماتية محضة، تتقدم في كثير من الأحيان على المبادئ الفكرية، البرامج المجتمعية، والرؤى الاستراتيجية الناظمة للعمل الحزبي.
ورغم أن هذا السلوك لا يثير، من الناحية الدستورية والقانونية الصرفة، إشكالاً مباشراً ما دام يتحرك في إطار الهوامش التي يتيحها القانون المنظم للأحزاب، فإنه يطرح، على المستويين السياسي والأخلاقي، أسئلة عميقة وعريضة حول جوهر الالتزام الحزبي، ومصداقية الفاعل السياسي، ومدى استقرار المشهد التنظيمي أمام الناخبين.
أخلاقيات التعاقد السياسي وبناء الثقة
إن الممارسة السياسية الرشيدة في جوهرها هي بالأساس تعاقد أخلاقي وسياسي متكامل مع المواطن، يقوم على مبادئ الوفاء للخط الفكري، والالتزام بالبرنامج الانتخابي، وصيانة الهوية السياسية التي بناءً عليها مُنح الفاعل السياسي ثقة الصناديق.
وعندما يتحول المشهد العام إلى ما يشبه سباقاً محموماً لاستقطاب الأسماء القيادية وتبادل الولاءات الفجائية بناءً على حسابات ظرفية، فإن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو منسوب الثقة العام في المؤسسات المنتخبة، وفي قدرة الأحزاب على تشكيل وعي مجتمعي متماسك.
لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في أكثر من خطاب وتوجيه سامٍ، على أن المغرب في حاجة ماسة إلى أحزاب سياسية قوية، ذات مصداقية حقيقية، قادرة على الاضطلاع بأدوارها الدستورية في تأطير المواطنين وإفراز نخب كفؤة تتحمل المسؤولية العمومية بروح وطنية عالية. وهي رؤية إستراتيجية لا تنسجم، بنيوياً، مع الممارسات الظرفية التي تجعل من الانتماء التنظيمي متغيراً قابلاً للتبديل وفق موازين اللحظة أو الحسابات الضيقة.
إن المملكة المغربية، وهي تواصل بثبات تنزيل أوراشها التنموية الكبرى، وتستشرف استحقاقات وطنية ودولية بالغة الأهمية، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تنافس سياسي رفيع؛ تنافس يقوم بالأساس على جودة البرامج، وكفاءة النخب، وابتكار حلول تدبيرية للمشاكل المحلية والوطنية، بدلاً من الانزلاق نحو « ميركاتو انتخابي » يختزل الفاعل السياسي في مجرد رقم عددي أو « خزان أصوات » متحرك. كما
أن التعددية الحزبية تمثل قيمة دستورية ومكسباً ديمقراطياً تاريخياً للمغرب، ما يجعل قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على ترسيخ قيم المسؤولية والالتزام السياسي، لا في تحولها إلى أداة لتكريس ثقافة الترحال وإعادة التموضع التنظيمي كلما لاحت في الأفق تباشير المواعيد الانتخابية.
بناءً عليه، يظل إصلاح الحياة السياسية وتخليقها مساراً لا يمر حتماً عبر تجويد النصوص القانونية والمنظومة التشريعية فحسب، بل يبدأ أساساً من الذات الحزبية عبر ترسيخ أخلاقيات الممارسة. إن قوة النموذج الديمقراطي لا تُقاس بعدد الهيئات المشكلة للمشهد أو بكثرة التحالفات الهجينة، وإنما بمدى احترام المبادئ، والوفاء للتعاقدات مع الناخبين، والإسهام الفعلي في بناء مشهد سياسي مستقر ومسؤول يواكب طموحات المغرب الصاعد.