
لم يعد التوتر الدبلوماسي الأخير بين الجزائر والإمارات مجرد تبادل بيانات أو تصريحات إعلامية. ما يحدث اليوم هو انعكاس مباشر لتحول عميق في خريطة الطاقة والجيوسياسة بشمال إفريقيا وغربها، عنوانه الأبرز: مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي،
دخول أبوظبي كلاعب محوري بثقلها المالي والتقني في هذا المشروع لم يكن خطوة استثمارية عادية. كان إعلاناً رسمياً بنهاية حقبة الاحتكار الطاقي الذي ظلت الجزائر تعتمد عليه كأداة نفوذ إقليمي لعقود.و
لطالما نظرت الجزائر للغاز كـ « ورقة ضغط » مركزية في سياستها الخارجية. أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربطها بأوروبا منحها موقعاً لا يمكن تجاوزه. و
لكن مع دخول الإمارات كشريك ممول واستراتيجي في مشروع المغرب-نيجيريا، تغيرت قواعد اللعبة.
المشروع لم يعد مبادرة ثنائية يمكن تعطيلها بالضغط السياسي. بتمويل أبوظبي ودعمها اللوجستي، تحول إلى شراكة ثلاثية ذات بعد قاري تربط 13 دولة إفريقية بساحل الأطلسي مباشرة.
هذه « الحصانة المالية والسيادية » تجعل أي محاولة عرقلة تصطدم بمصالح دولية وشركات طاقة عالمية كبرى.كما أن
الرهان الإماراتي لا ينفصل عن قراءة جيوسياسية دقيقة. أبوظبي تدرك أن المغرب هو البوابة الأكثر استقراراً وأماناً للولوج إلى العمق الإفريقي.و بما أن هناك
عوامل عدة جعلت الرباط الخيار الاستراتيجي، أولها
الاستقرار السياسي والمؤسساتي، و
البنية التحتية للموانئ وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط والداخلة الأطلسي و كذلك
العلاقات المتينة مع إفريقيا جنوب الصحراء والتي بناها المغرب خلال العشرية الأخيرة، فإن
هذا الإدراك فسر حجم الزخم المالي والتقني الذي ضخته الإمارات، ليتحول الدعم من مجرد استثمار إلى تصويت بالثقة في الرؤية المغربية ، كمركز طاقي ولوجستي للقارة.و
على مستوى الدبلوماسية الاقتصادية، يمثل الانخراط الإماراتي مكسباً استراتيجياً للمغرب في توقيت حساس.
في الوقت الذي تسعى فيه بعض أطراف المنطقة إلى عزل الرباط دبلوماسياً، نجحت في جذب استثمار سيادي خليجي ضخم، للتذكير فالمشروع يخدم 3 أهداف دفعة واحدة:
أولا : الأمن الطاقي المغربي عبر تنويع مصادر الإمداد.
ثاتيا : التكامل القاري من خلال ربط .اقتصادات غرب إفريقيا بالسوق العالمية
ثالثا : تعزيز الموقع التفاوضي للمغرب .كدولة عبور ومحور طاقة لا يمكن تجاوزه و يرى المراقبون انها نهاية عصر الطاقة كسلاح وحيد، خاصة أن
التصعيد الجزائري الحالي هو في جوهره رد فعل على إدراك حقيقة واحدة: الاحتكار انتهى.لأن
أنبوب الغاز الأطلسي برعاية ثلاثية « المغرب-نيجيريا-الإمارات » أعاد توزيع أوراق القوة. و لم يعد الغاز مجرد سلعة، بل أصبح أداة لربط القارات وبناء تحالفات جديدة.مما جعلنا
ندخل مرحلة تتنافس فيها الدول ليس بمن يملك الغاز فقط، بل بمن يملك الممرات والشراكات والتمويل التي تجعل الغاز يصل للسوق. وفي هذه المعادلة الجديدة، اختارت أبوظبي أن تقف مع الرباط.
