
تتأكد في الفلسفة السياسية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله حقيقة جوهرية مفادها أن التغيير المنشود في المملكة ليس مجرد تعديلات هيكلية عابرة، أو انتقالات بين الموقع والمعارضة في صفوف الهيئات السياسية، بل هو ثورة عميقة في العقليات والأفكار وأساليب التدبير. إن الرؤية الملكية الحكيمة تقطع بوضوح مع ثقافة الريع الانتخابي والانتظارية، وتؤسس لمرحلة جديدة تجعل من النجاعة، والكفاءة، وخدمة المصالح العليا للمواطنين البوصلة الوحيدة للعمل العمومي.
أولاً: قطع الطريق على الترحال السياسي الشكلي وثقافة الريع، و
لم تكن الرؤية الملكية للتغيير يوماً محصورة في « تدوير الوجوه » أو تعديل التموقع الحزبي لتبقى ذات التوجهات والأساليب القديمة قائمة. إن الانتقال من حزب إلى آخر دون تقديم قيمة مضافة أو فكر إصلاحي جديد يُفرغ الممارسة السياسية من محتواها الأخلاقي والفعلي.
وقد كان جلالة الملك صريحاً وحاسماً في تشخيص هذا الاختلال في خطاب العرش لسنة 2017، حين وضع الفاعلين السياسيين أمام مرآة المسؤولية الوطنية، مشيراً إلى الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني:
عندما تكون النتائج إيجابية، يتنافس » الأحزاب والسياسيون والمسؤولون في تسخيرها لمصالحهم… وعندما لا تنجح الأمور، يختبئون وراء القصر الملكي، وينسبون كل شيء إليه. وهذا أمر غير مقبول، وينفي الغاية من وجود المؤسسات «
جلالة الملك محمد السادس (خطاب العرش، 29 يوليو 2017). و
تُعد هذه الرسالة الملكية الصريحة بمثابة المانيفستو الموجه لكل الفاعلين: التغيير ليس لعبة مواقع أو تحالفات مصلحية، بل هو تعهد أخلاقي وعملي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار شخصي أو فئوي.
ثانياً: الإدارة العمومية من البيروقراطية إلى خادم أمين للمواطن
إن التغيير الحقيقي الذي يدعو إليه جلالة الملك يمر حتماً عبر إصلاح جذري للإدارة والمرفق العمومي. فالإدارة في الرؤية السامية ليست ملاذاً للراحة أو سلطة للتسلط، بل هي أداة سُخّرت بالأساس لقضاء مصالح المواطنين وتيسير حياتهم اليومية، بعيداً عن أشكال التعقيد والريع البيروقراطي.
وفي هذا السياق، جاء خطاب جلالته في افتتاح الدورة البرلمانية لسنة 2016 ليرسم معالم الإدارة الحديثة والمواطنة:
«إن الغاية من وجود المؤسسات وإصلاحها، هي خدمة المواطن. وبدون ذلك، لا معنى لها، ولا فائدة منها ، فالغاية منها هي تمكين المواطن من قضاء مصالحه، في أفضل الظروف والأوقات، وتسهيل حياته… وإذا كانت الإدارة تقوم بهذا الواجب، فما الحاجة للجوء إلى الملك؟»
جلالة الملك محمد السادس (افتتاح البرلمان، 14 أكتوبر 2016)
إن هذا النقد الملكي المباشر يُجسد أرقى صور المصارحة والشفافية، مؤكداً أن النجاعة الإدارية وربط المسؤولية بالمحاسبة ليسا خياراً ثانوياً، بل هما شرطان أساسيان لإنجاح التنمية وبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
ثالثاً: النموذج التنموي الجديد والعدالة المجالية والاجتماعية
لا يستقيم التغيير في العقلية والتدبير دون إعادة رسم النموذج التنموي للمملكة، بما يضمن توزيعاً عادلاً للثروة وفرص التنمية. ومن هذا المنطلق، حرص جلالة الملك على إطلاق مسار النموذج التنموي الجديد ليكون إطاراً عملياً لتجاوز التفاوتات الفئوية والمجالية.
وقد تجلى هذا التوجه الاستراتيجي بكل وضوح في خطاب العرش لسنة 2019، حيث أعلن جلالته عن مرحلة جديدة أساسها العدالة المجالية والاجتماعية:
«إن ما نعيشه اليوم من تقدم، لا يستفيد منه جميع أبنائنا وبناتنا. ولهذا المبرر بالذات، أحدثنا اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، للإعداد لمرحلة جديدة، نبتغي فيها توفير الشروط الضرورية للعدالة الاجتماعية والمجالية.»
جلالة الملك محمد السادس (خطاب العرش، 29 يوليو . 2019)
مرتكز العدالة
التطبيق العملي في الرؤية الملكية والنموذج التنموي
العدالة المجالية.منها
تفعيل الجهوية المتقدمة، فك العزلة عن العالم القروي والمناطق الجبلية، وتكريس التكافؤ التنموي بين مختلف جهات المملكة دون تمركز حول المحاور الكبرى.
العدالة الاجتماعية
إطلاق ورش الحماية الاجتماعية الشاملة، تعميم التغطية الصحية، توفير الدعم الاجتماعي المباشر للأسر الهشة، وإصلاح المدرسة والمستشفى العموميين.
الحكامة والنزاهة
ربط المسؤولية بالمحاسبة، القضاء على مظاهر الريع والمحسوبية، واعتماد مبادئ الشفافية والاستحقاق في شغل المناصب العمومية.
رابعاً: ملامح « المغرب الصاعد ».. خارطة طريق للفاعلين والمسؤولين
إن الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الأحزاب السياسية، والحكومة، والبرلمان، والمؤسسات كافة، تلخص رؤية واضحة ومحددة المعالم لمغرب المستقبل؛ مغرب لا مكان فيه للتقاعس أو الشعبوية أو الاستفادة الشخصية على حساب المصلحة العامة.
الحديث بلغة الأرقام والإنجاز: القطع النهائي مع الخطابات الشعبوية والوعود الفارغة، والتركيز على التنفيذ الدقيق والمستدام للمشاريع.
تغليب المصلحة العليا للوطن: جعل خدمة المواطن الشغل الشاغل لجميع المسؤولين والمنتخبين بعيداً عن الصراعات الحزبية الضيقة.
ضخ الكفاءات والنزاهة: الاعتماد على أطر وقدرات قادرة على الابتكار وإيجاد الحلول الكفيلة بتسريع وتيرة النمو والتنمية.
ترسيخ دولة القانون والمؤسسات: تفعيل الآليات الدستورية لربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان حماية المال العام من كافة أشكال الاستغلال الريعي.
إن التغيير الذي ينشده جلالة الملك محمد السادس حفظه الله هو مسار سيادي وتنموي متكامل، ينقل المملكة بثبات نحو فضاء « المغرب الصاعد ». وهو مسار يحث جميع الفاعلين على الانتقال من النظرة الضيقة المرتكزة على مواقع السلطة والنفوذ إلى الفهم العميق لشرف الخدمة العمومية. إنها الدعوة الصريحة لكل أبناء الوطن المخلصين ليتحملوا مسؤولياتهم بكفاءة ونزاهة، ليبقى المغرب قوياً، مزدهراً، وعادلاً مع كل أبنائه.

