
باتت ملاعب كرة القدم الأوروبية و خاصة في الدوري الإسباني (الليغا) تخرج بين الحين والآخر عن دورها الطبيعي كفضاءات للتنافس الشريف والفرح الجماعي، لتتحول إلى مسارح لاختبار المواقف السياسية والجهوية. وتتكرر هذه الظاهرة بشكل مقلق عندما يُفرض على الأندية واللاعبين الانخراط في قضايا حساسة أو تبني شعارات تحمل أبعاداً صراعية، مما يضع نجوم الساحرة المستديرة في مواقف محرجة أمام جماهيرهم وأمام مبادئ الحياد الرياضي. و
تجسدت هذه الأزمة بوضوح في الجدل الذي أثير مؤخراً حول بعض الحملات والقمصان التي تفرضها سياقات معينة داخل الملاعب الإسبانية، مثل القضايا المرتبطة بمدينة سبتة، وما تخللها من ردود فعل متباينة لفتت انتباه الشارع الرياضي الدولي. حيث
و جد لاعبون دوليون، من بينهم النجم المغربي عبد الصمد الزلزولي (لاعب ريال بيتيس)، أنفسهم في واجهة عاصفة من الانتقادات الجماهيرية والإعلامية بسبب ضغوط تتعلق بهذه الشعارات. وفي المقابل، اختار نجوم عالميون آخرون –على غرار كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور– النأي بأنفسهم عن هذه التجاذبات الحساسة عبر نزع أو تغطية العبارات المثيرة للجدل قبل انطلاق المباريات، في إشارة واضحة إلى رفضهم تحويل أجسادهم الرياضية إلى لوحات إعلانية للسياسة والتوترات الإقليمية. و
تفرض قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم (« الفيفا ») واللجنة الأولمبية الدولية فصلاً تاماً وحاسماً بين المنافسات الرياضية والتوجهات السياسية أو الدعاية الأيديولوجية. وتنص لوائح الانضباط صراحة على حظر أي إظهار لشعارات، أو رسائل، أو إيحاءات سياسية، أو قومية، أو دينية من طرف اللاعبين أو الأندية على المعدات الرياضية أو أثناء المباريات الرسمية.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل الهيئات المحلية (كالاتحاد الإسباني لكرة القدم ورابطة « الليغا ») مع هذه المبادرات التي تُفرض أحياناً بضغوط جهوية أو مؤسساتية داخلية، مما يخلق صداماً مباشراً بين اللوائح الدولية للحياد وبين الواقع الميداني الضاغط.كما أن
إقحام السياسة في الملاعب لا يخدم سوى تأجيج الانقسامات وخلق أزمات غير مبررة للاعبين الذين تجمعهم لغة المهارة والروح الرياضية في الملعب، بغض النظر عن اننتماءاتهم. و كما يعلم الجميع أن
كرة القدم قادرة على توحيد الشعوب وتقديم دروس بليغة في الاحترام وقبول الآخر، شريطة أن تُترك الملاعب لأصحابها، وأن تدرك الجهات المنظمة أن حماية الرياضة من التوظيف السياسي هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على نقاء اللعبة وشغف الجماهير.

