
لطالما اعتُبرت العناوين والأشرطة الإخبارية (العواجل) في المشهد العربي و الدولي ، واجهة المصداقية والدقة لأي مؤسسة تلفزيونية. إلا أن ما شهدته شاشة قناة « الجزيرة » الإخبارية في 17 سبتمبر 2026، تجاوز حدود « الخطأ المهني العابر » ليتحول إلى قضية أثارت موجة غضب عارمة وسخرية واسعة في الشارع المغربي وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
ففي تغطية مباشرة لهجوم صاروخي روسي استهدف مدينة أوديسا الأوكرانية، تفاجأ المشاهدون بشريط إخباري أسفل الشاشة يكتب بجرأة غريبة: هجوم روسي يخلف دماراً شعبياً في المغرب.و
الخطأ ليس تفصيلاً هامشياً؛ فالمسافة الجغرافية والسياسية بين أوكرانيا والمملكة المغربية شاسعة لدرجة تجعل « الخلط » بينهما أمراً مستحيلاً من الناحية العقلية والمهنية، خاصة في غرفة أخبار يُفترض أنها تضم أحدث آليات التدقيق والرقابة التحريرية، ويقودها طاقم يترأسه الفلسطيني عاصف حميدي تحت إشراف المدير العام الجديد للشبكة ناصر بن فيصل آل ثاني.
هذه السقطة المدوية طرحت تساؤلات مشروعة في الأوساط الإعلامية المغربية: كيف يستقر اسم « المغرب » في مخيلة رئيس التحرير أو كاتب الشاشة ليزج به في هجوم عسكري يقع في أقصى شرق أوروبا؟
بالنسبة للعديد من المحللين والمتابعين المغاربة، لم يعد الأمر مجرد « خطأ مطبعي »، بل هو انعكاس لـ« هوس تحريري » غير معلن بات يسيطر على غرف تفكير القناة وصناع محتواها، حيث أصبح اسم « المغرب » حاضراً بشكل دائم، وجاهزاً للتوظيف في سياقات إما تسيء إليه، أو تخلق حوله جدلاً مفتعلاً.و
يرى منتقدوا القناة أن هذا الحادث يأتي كحلقة جديدة ضمن مسلسل طويل من التعامل « غير المتوازن » من طرف القناة مع قضايا المملكة. فعلى مدار السنوات الأخيرة، لوحظ وجود نوع من « التحامل الصامت » وتصيد الأخطاء؛ حيث يتم التركيز بشكل مبالغ فيه على أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية داخل المغرب وتضخيمها، في مقابل تجاهل واضح للإنجازات الدبلوماسية والتنموية والرياضية التي تحققها الرباط.
هذا « الترصد » يرجعه البعض إلى وجود تأثيرات لبعض التوجهات والأجندات الإقليمية داخل كواليس القناة، فضلاً عن تواجد بعض الكفاءات الإعلامية التي قد تحمل انحيازات سياسية مسبقة ضد المصالح الاستراتيجية للمغرب. وأمام هذا التوجيه الممنهج، يصبح من السهل أن يزل قلم المحرر ويكتب « المغرب » في سياق الدمار والحروب، لأن العقل الباطن لغرفة الأخبار بات مبرمجاً على ربط هذا البلد بكل ما هو سلبي أو مثير للجدل.و لكن
الرد المغربي جاء حازماً وذكياً ، حيث أطلق نشطاء على منصات التواصل وسم « لعب_الدراري » للتعبير عن استهجانهم لهذا المستوى الهابط من الأداء الإعلامي الذي لا يليق بمؤسسة تدعي « الريادة ». وتحولت التغطية إلى مادة دسمة للتندر، حيث علق مغاربة بـ: « منذ متى أصبحت الحدود الروسية على مشارف الدار البيضاء أو الرباط؟ ».غير أن
خلف هذه السخرية، هناك غضب حقيقي من استمرار هذه السلوكيات. فالإعلام المسؤول يبني جسور الثقة، بينما الإصرار على إقحام الدول في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، يعري ضعف المعايير المهنية ويسقط قناع « الرأي والرأي الآخر » ليظهر مكانه وجه « البروباغندا » الموجهة.
حفظ الله المغرب شامخاً مستقراً، وستبقى قضاياه العادلة محصنة بوعي شعبه ويقظة مؤسساته، بينما ستبقى سقطة « الجزيرة » شاهدة على مرحلة صار فيها البحث عن الإثارة واستهداف الدول أسرع من حركة التدقيق والالتزام بأخلاقيات مهنة المتاعب.
