
تستعد بلادنا لمحطة ديموقراطية مفصلية تتمثل في الاستحقاقات التشريعية، وتتحرك كبرى القنوات الإقليمية والدولية — وفي مقدمتها قناة « الجزيرة » — لنصب استوديوهاتها الميدانية أمام مبنى البرلمان بالرباط، ونشر شبكة مراسليها في طنجة والدار البيضاء وكبرى الحواضر لنقل نبض الشارع المغربي لحظة بلحظة، يبرز السؤال الجوهري والمشروع الذي يفرض نفسه بقوة على الطاولة: أين القطب العمومي السمعي البصري من هذه المعركة؟ وهل يتحرك السيد فيصل العرايشي وفريقه لإخراج التلفزة الوطنية من قوقعة البيروقراطية والبطء نحو رحاب الريادة والسبق؟بما أن
الحروب لم تعد اليوم تعتمد فقط على بلاغات المكاتب المكيفة أو النشرات الإخبارية التقليدية التي تأتي متأخرة بخطوة أو خطوات. فالإعلام الخارجي، حين يحط الرحال في عقر الدار لنقل تفاصيل المشهد الانتخابي المغربي، لا يبرئ أجنداته ولا يخفي زوايا معالجته التي قد تخدم توجيهات سياسة دول حاضنة تتقن صناعة الإثارة وتوجيه الرأي العام.و
أمام هذا الزحف الميداني، وجب على الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ومعها القطب العمومي بأكمله، أن تتخلى عن « رد الفعل » البارد. فالإمكانيات اللوجستية والمادية والبشرية متوفرة، وميزانيات الدعم العمومي موجودة، لكن ما ينقص غالباً هو الجرأة التحريرية، والسرعة في التغطية، والنزول إلى الميدان بروح التحدي لا بروح الموظف الإداري.كما أن
الرهان الملقى على عاتق الإدارة العامة للقطب العمومي بقيادة فيصل العرايشي اليوم هو معركة سيادة وطنية بامتياز. فالمواطن المغربي ينتظر من شاشاته الوطنية أن تكون هي المرجع الأول والأساس لكل خبر، ولكل تحليل دقيق، ولكل رصد ميداني شفاف ونزيه.
حين تترك القنوات العمومية الفراغ لغيرها، فإنها تفتح الباب على مصراعيه لكي تتحول المنابر الخارجية إلى « مصدر » يتلقى عنه المواطن وحتى الباحثون تفاصيل ما يجري في وطنه. وهو وضع شاذ يجب تصحيحه فوراً بـ:
إخراج الصحفيين والمحللين إلى الشارع، والقرى، والمدن الكبرى، لنقل الحقيقة الحية بالصوت والصورة دون وصاية أو تحفظ مبالغ فيه. تبني لغة إعلامية رقمية ومباشرة تتفاعل مع سرعة منصات التواصل الاجتماعي وتسبق المنافسين بالخبر اليقين والتحليل الرصين.أن ترى الشاشات الوطنية تعكس نبض الشارع وهمومه وتطلعاته الانتخابية بكل مهنية وموضوعية، لتسحب البساط نهائياً من أي توجيه خارجي مغرض.
إن الانتخابات التشريعية المقبلة هي اختبار حقيقي وصارخ لمدى جاهزية القطب العمومي لإثبات ذاته. التاريخ الإعلامي لا يرحم المتقاعسين، والسيادة الإخبارية لا تحتمل أنماط التسيير الكلاسيكية. فهل يوجه فيصل العرايشي الضربة الاستباقية ويتحرك بقوة ليجعل قنواتنا الوطنية هي المصدر… وليست الصدى؟

