بين قبة البرلمان وكواليسه: هل السياسة في المغرب « تمثيلية » أم تدبير للخلاف؟

تتجدد في كل محطة سياسية كبرى أو جلسة للمساءلة البرلمانية تلك الصدمة المشروعة لدى جزء واسع من المواطنين؛ مشاهد حامية الوطيس، ومرافعات نارية تصل حد التدافع اللفظي والاتهامات المتبادلة بين نواب الأمة والحكومة، تعكس صراعاً محتدماً حول قضايا الوطن والمواطن. غير أن الكاميرات، وما بين كواليس المؤسسة التشريعية وأروقتها، ما فتئت تلتقط صوراً ومقاطع فيديو لهؤلاء الفاعلين أنفسهم وهم يتبادلون الضحكات، ويستحضرون تلك المشادات بأسلوب مرح فيه الكثير من العتاب الودي والتعايش السلمي.

هذا التناقض الظاهري بين « شراسة » الخطاب السياسي تحت القبة و »دفء » اللقاءات خارجها، يطرح أسئلة جوهرية ومشروعة في الشارع المغربي: هل ما يراه المواطن مجرد « مسرحية سياسية »؟ أم أن طبيعة السياسة نفسها تفرض حدوداً صارمة بين التنافس المؤسساتي والروابط الإنسانية؟

لفهم هذه الثنائية، لابد من التمييز بين « السياسة كصراع وجودي » و »السياسة كتدبير للخلاف ».

ففي الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن تكون قبة البرلمان فضاءً للتدافع الفكري والسياسي الحاد؛ فالمعارضة مجبرة دستورياً وأخلاقياً على الشراسة في الرقابة، وتضخيم الصوت لإيصال غضب الشارع أو الدفاع عن برنامجها، بينما تلتزم الحكومة والأغلبية بالدفاع عن منجزاتها وتبرير قراراتها بحماس واستماتة.و

هذا التدافع ليس تمثيلاً زائداً، بل هو التجسيد الحي لتعددية الآراء. فحين ترتفع النبرة تحت القبة، فإنها غالباً ما تخدم « الدور المرسوم » دستورياً لكل طرف، وهو دور يتطلب حادّة في النقاش لكون الجلسات منقولة على الهواء مباشرة وموجهة للرأي العام.

أما خارج القبة، وفي الأروقة والممرات، فإن البيئة الاجتماعية والمهنية للطبقة السياسية المغربية تلعب دوراً حاسماً. فمعظم الفاعلين السياسيين يجمعهم، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، تواصل يومي، وعلاقات شخصية قد تمتد لسنوات طويلة، بحكم العمل البرلماني المشترك أو حتى القرابات الاجتماعية والمهنية.

إن الضحك والمزاح والعتاب المتبادل في الكواليس لا يعني بالضرورة « الخيانة » أو « التواطؤ ضد الشعب »، بل يعكس في كثير من الأحيان نضجاً سياسياً يفصل بصرامة بين « الموقف المؤسساتي » و »العلاقة الشخصية ». فالسياسي المحترف يعلم جيدا أن معارضته لقرارات وزير أو زعيم حزب معين، هي معارضة للسياسات والبرامج وليست كرهاً شخصياً للأفراد.

و في المقابل، فإن استنكار المواطنين لهذه المشاهد العفوية ليس وليد عبث، بل يجد مبرراته في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بالتوتر وغلاء المعيشة وصعوبة الظروف اليومية.

حين يرى المواطن نائباً أو وزيراً يشتد غضباً ويدرف دموع التحرّق على هموم الشعب داخل القاعة، ثم يراه يقهقه ويمازح خصمه بعد دقائق في الرواق، قد يتولد لديه شعور بالخداع؛ كأن المعارك السياسية مجرد « لعبة كبرى » أو « مسرحية موزعة الأدوار » يتقاسم فيها الجميع أطوارها بعيداً عن ألم الحقيقة الميدانية. هذا الشرخ بين « الرمزية التراجيدية » للمواجهات البرلمانية و »الواقع الكوميدي » للكواليس هو ما يغذي العزوف السياسي وشعور الإحباط.

ليست السياسة دائماً سوى فن الممكن والتدبير، ومثلما تقتضي حلبة المصارعة شراسة بين المتنافسين، تقتضي قواعد الأخلاق الإنسانية والاجتماعية سلام الأبدان والقلوب بمجرد مغادرة الحلبة.

لكن الأهم، بالنسبة للمنتخبين والفاعلين السياسيين، هو إدراك أن صور الكواليس يجب ألا تفقد المعارك المؤسساتية جديتها. فالمواطن المغربي لا يطلب من السياسيين أن يتقاطعوا أبدياً أو يتحولوا إلى أعداء شخصيين، بل يطلب شيئاً واحداً أبسط وأعمق: أن تكون تلك الشراسة تحت القبة حقيقية في الدفاع عن مصالحه، وأن تكون تلك الابتسامات في الكواليس دليلاً على وعي جماعي بأن الوطن أكبر من أي حزب، وأن هموم الناس ليست مادة للمزايدة ثم النسيان.