نزيف الكفاءات الطبية ببلادنا : هكذا تفرط المنظومة الصحية في بروفيسور تخدير وإنعاش يزن وزنه ذهباً

في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية الوطنية من عجز هيكلي حاد في الموارد البشرية المتخصصة، تتواصل تداعيات قضية البروفيسور رشيد شرقاب، أستاذ التعليم العالي بكلية الطب وطبيب التخدير والإنعاش بالمستشفى الجامعي ابن رشد، وسط مخاوف متزايدة من دفع الكفاءات الوطنية نحو خيار الهجرة بعد انقضاء مساره القضائي.

وتجدد هذه النازلة النقاش حول كلفة إهدار الأطر الطبية العالية الكفاءة، خصوصاً في تخصصات حساسة تشهد خصاصاً مهولاً يهدد استمرارية الخدمات الاستشفائية بالمؤسسات الجامعية الكبرى.و

تكتسي قضية البروفيسور رشيد شرقاب بُعداً استراتيجياً عند إسقاطها على مؤشرات القطاع الصحي بالمغرب؛ إذ تشير المعطيات الدولية إلى أن منظمة الصحة العالمية توصي بتوفر 20 طبيب تخدير وإنعاش لكل 100 ألف نسمة، بينما لا يتجاوز المعدل الوطني 7 أطباء لكل 100 ألف نسمة.

ويقترب العدد الإجمالي لأطباء هذا التخصص الحيوي في بلد يناهز سكانه 40 مليون نسمة من سقف 200 إلى 250 طبيباً فقط، وهو ما يضع المنظومة الصحية أمام أزمة حقيقية في حال فقدان أي عنصر من نخبة أساتذتها وباحثيها.

في المقابل، تحظى الكفاءات الطبية المغربية من رتبة « بروفيسور » بتقدير دولي واسع، حيث تسعى كبرى الأنظمة الصحية في فرنسا، ومختلف دول الاتحاد الأوروبي، وكذا دول الخليج العربي، إلى استقطاب أطباء التخدير والإنعاش المغاربة وتقديم كافة الإغراءات المهنية والمادية لهم لتغطية العجز العالمي المتفاقم في هذا التخصص الدقيق.

ويحذر مراقبون من أن التعامل القاسي مع قامات علمية وطبية تشرف على تكوين أطباء المستقبل وتدبير أقسام المستعجلات والإنعاش الحرجة، من شأنها أن تعمق شعور الأطر الوطنية بالإحباط، وتدفعهم نحو مغادرة البلاد، تماماً كما فعل المئات من زملائهم بحثاً عن بيئة مهنية تحترم قيمتها وتصون كرامتها.

وتعود خلفيات القضية إلى نزاع مهني ارتبط بمواقف البروفيسور شرقاب وانحيازه لضوابط المرفق العمومي، ووقوفه في وجه إكراه المرضى على اقتناء مستلزمات طبية من خارج المستشفى رغم توفرها داخله، فضلاً عن وضعه لعدة شكايات مرتبطة بتجاوزات مهنية لدى الجهات الوصية.

وقد أثارت طريقة اعتقاله من داخل جلسة المحكمة —رغم طابعها المدني أو الإداري المثير للجدل— استغراب الأوساط الحقوقية والمهنية التي اعتبرت أن منطق الأشياء كان يفرض الاستفادة من ظروف التخفيف والمتابعة في حالة سراح نظراً لخدماته الجليلة للوطن والمرضى.

وفي ظل هذه التطورات، تظل الأنظار متوجهة نحو مراحل التقاضي الاستئنافية والقادمة، وسط أمل واسع في أن تنفرج الأزمة ويعود العقل والتبصر لتصحيح المسار، حفاظاً على ما تبقى من أطر طبية نادرة لا تملك البلاد رفاهية خسارتها في الظرفية الاستشفائية الراهنة.