
في الوقت الذي تخوض فيه المملكة ورشاً تنموياً ورياضياً غير مسبوق تحضيراً لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 بمعية إسبانيا والبرتغال، يتجدد النقاش العمومي والسياسي بشكل حاد حول معادلة التوازن الصعبة بين الاستثمارات الضخمة في البنيات التحتية الكبرى وبين الانتظارات الاجتماعية الملحة المرتبطة بالقدرة الشرائية للعموم.
وقد أثار تداول تقارير إعلامية، من بينها معطيات أوردتها أسبوعية « جون أفريك »، تفيد بأن التكلفة الإجمالية لبناء ملعب الحسن الثاني الكبير ببنسليمان أصبحت تقدر بنحو 13.6 مليار درهم (ما يعادل 13600 مليار سنتيم)، بعدما كانت التقديرات الأولية لا تتجاوز 5 مليارات درهم، موجة من التساؤلات حول دقة الدراسات القبلية ومآل المالية العمومية في ظل ظرفية دولية وإقليمية مطبوعة بالتضخم وقساوة غلاء المعيشة.
وتأتي هذه الأرقام الضخمة لتغذي نقاشاً مجتمعياً واسعاً حول أولويات الإنفاق العمومي، خصوصاً عند مقارنة كلفة منشأة رياضية واحدة بميزانيات القطاعات الاجتماعية الحيوية المرتبطة بالاستثمار في العنصر البشري؛ إذ تُظهر الأرقام الرسمية المرصودة في مشاريع الميزانية تفاوتاً لافتاً:
حيث رصدت في مشروع قانون المالية اعتمادات مالية لا تتعدى 70 مليون درهم لفائدة « الصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والتنمية التكنولوجية »، وهو ما يعني أن تكلفة ملعب واحد في بنسليمان تناهز أضعاف أضعاف الميزانية المخصصة للبحث العلمي والابتكار.
و خُصص لـ »صندوق النهوض بتشغيل الشباب » غلاف مالي قدره 1,991 مليار درهم في الميزانية؛ وهو ما يترجم رياضياً إلى أن ما يُصرف على ملعب واحد يكفلي لتمويل الصندوق المذكور لأكثر من 7 سنوات متتالية لدعم البرامج الموجهة لإخراج الشباب من بطالة الهشاشة.
بينما يرى المدافعون عن هذه المشاريع الكبرى أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على كرة القدم، بل تشكل قاطرة استراتيجية لتسريع وتيرة إنجاز البنيات التحتية المهيكلة من شبكات الطرق السيارة، وتوسيع شبكة السكك الحديدية، وتطوير المطارات والخدمات والقطاع السياحي لجذب الاستثمارات الأجنبية، يحذر المنتقدون من خطر ما وصفوه بـ »العمى التخطيطي وسوء ترتيب الأولويات ».
ويشدد الفاعلون والمراقبون على أن الإنفاق بسخاء مفرط على قطاع « الحجر » والواجهات الاستعراضية، مقابل ترك المواطن يواجه إكراهات هضبة الصحة وضعف التعليم وقساوة الغلاء، قد يعمق الفوارق الاجتماعية ويكرس منطق الريع إن لم يصاحب بتوازن دقيق وحكامة مالية صارمة.
الرهان الأكبر أمام صناع القرار اليوم لا يكمن فقط في نجاح التحدي التنظيمي واللوجستي للتظاهرات الكبرى، بل في ضمان ألا تكون ضخامة الأرقام المرصودة على حساب العمق التنموي وبناء مستقبل الإنسان المغربي.
