
أثار مقطع الفيديو الوثقي والمؤثر الذي وثق تدخل السلطات المحلية بمدينة تيسة (إقليم تاونات) ضد بائع متجول في وضعية هشاشة، نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية. ولا يقتصر هذا النقاش على حدود واقعة حجز الميزان وإخلاء الشارع، بل يمتد ليشمل إشكاليات بنيوية أعمق ترتبط بتدبير الفضاء العام، غياب البدائل الاقتصادية، ومساءلة نجاعة السياسات التنموية الموجهة لمحاربة الفقر والبطالة.و
تجدد هذه الواقعة الجدل المستمر حول آليات تحرير الملك العمومي، حيث يُجمع المهتمون على أهمية تنظيم الفضاءات العامة ومحاربة الفوضى الحضرية، غير أنهم يحذرون في المقابل من مقاربات « البطش والحكرة ». ويتساءل المراقبون عن جدوى مطاردة الشباب حاملي الشواهد والمعطلين — ممن اضطرتهم قساوة البطالة إلى امتهان التجارة المتجولة لتأمين قوت يومهم — دون توفير أسواق نموذجية منظمة ومواكبة اجتماعية واقتصادية تحفظ كرامتهم وتدمجهم في الدورة الاقتصادية الرسمية.

و
من جانب آخر، فتح الحادث الباب واسعاً أمام تساؤلات حرجة حول جدوى القروض الضخمة والتمويلات الدولية التي تتسلمها الحكومات المتعاقبة من مؤسسات مالية كبرى (مثل البنك الدولي) وشركاء إقليميين ودوليين، بزعم محاربة الفقر، وتمويل برامج إدماج الشباب، والتقليص من معدلات البطالة والهشاشة.
ويطرح الرأي العام والفاعلون الاقتصاديون علامات استفهام كبرى حول غياب الأثر الملموس لهذه الملايير على أرض الواقع، وسط انتقادات متزايدة لكون هذه الديون تثقل كลัง الميزانية العامة وعبء المواطن، دون أن تنعكس بصورة فعلية على البنية الاجتماعية أو توفر فرص الشغل الحقيقية للشباب الهش،كما
أن معالجة أزمة الباعة المتجولين والبطالة الهيكلية تتطلب الانتقال الجذري من منطق الحملات الموسمية والمقاربات الأمنية البحتة، إلى سياسات عمومية دامجة تتسم بالشفافية والنجاعة، وتربط بين ترشيد المديونية الخارجية وتوجيهها نحو مشاريع منتجة وملموسة، بما يضمن صون كرامة المواطن ويحقق العدالة الاجتماعية المنشودة.

