بين مطرقة القيود وسندان الهوية: جدل الحجاب يتصاعد وسط مخاوف من أجندات تستهدف ثوابت الدول الإسلامية

تحولت الساحة في أذربيجان إلى بؤرة توتر ساخنة إثر تفعيل قرارات حكومية تستهدف فرض قيود صارمة على المظاهر الدينية، وتحديداً الحجاب في المؤسسات التعليمية. وفي حين تحاول السلطات تمرير هذه السياسات تحت غطاء « توحيد الزي المدرسي » و »حماية علمانية التعليم »، فإن الواقع الميداني يكشف عن مواجهة مفتوحة بين رغبة رسمية في سلخ المجتمع عن هويته الإسلامية، وبين إصرار شعبي متجذر على التمسك بالثوابت والدي، و

بدأت فصول الأزمة الحالية منتصف شهر سبتمبر الماضي، عندما أُقرت تعديلات على قواعد الزي الرسمي في المدارس الحكومية، تلتها قرارات أخرى شملت المعلمين. ورغم أن النصوص الرسمية تجنبت ذكر « الحجاب » صراحة، إلا أن التطبيق العملي أسفر عن موجة تعسفية تمثلت في منع عشرات الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس، وتخييرهن بين خلع الحجاب أو الحرمان من التعليم والعمل.

وقد بلغت الأمور ذروتها مع انتشار مقاطع فيديو مؤثرة توثق لحظات منع طالبات ومعلمات—من بينهن أمهات لشهداء حرب قره باغ—من اجتياز أبواب المدارس، وسط بكاء ودموع واعتصامات غاضبة للأهالي في مدن مثل جليل آباد والعاصمة باكو. و

رغم تركة العقود الطويلة من فرض العلمانية بالقوة (وهي امتداد لسياسات سابقة مشابهة لما شهدته تركيا بعد إسقاط الخلافة)، أثبت الشعب الأذربيجاني المسلم أن جذوة الإيمان لم تنطفئ. فقد تحولت المدارس إلى منصات للاحتجاج والرفض؛ حيث انخرط الطلاب في إضرابات تضامنية واسعة مع زميلاتهم وإخواتهم، وانضم بعض المعلمين إلى الاحتجاجات رافضين الانصياع لقرارات الإقصاء، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية الأذربيجانية إلى شن حملات أمنية واسعة أسفرت عن اعتقال العشرات، فضلاً عن فرض قيود وبطء متعمد على منصات التواصل الاجتماعي للحد من انتشار مقاطع الغضب الشعبي.

كما انه لا يمكن فصل ما يجري في أذربيجان عن سياق أوسع ترعاه قوى إقليمية ودولية تسعى لتشكيل بيئة معادية للهوية الإسلامية، حيث تُتهم السلطات هناك بنسج تحالفات وثيقة وتفضيل أجندات تخدم أطرافاً إقليمية ودولية على حساب طموحات واستقرار شعبي يرفض الذوبان في المشاريع العلمانية المتطرفة.

وفي هذا السياق، يجد المتابعون أنفسهم أمام مشهد شديد التعقيد؛ فتركيا –مثلاً– تقف في موقع الحذر البالغ، مسكونة بهاجس الحفاظ على وحدة « الدول التركية » وتجنب الاتهام بالتدخل في الشؤون الداخلية، بينما تترقب الشعوب الإسلامية بحرقة مآلات هذه المواجهات، متمنية أن تتكسر موجات الاستبداد والتغريب على صخرة وعي وثبات الأجيال الجديدة.

إن معركة الحجاب في أذربيجان اليوم هي معركة إرادة وهوية؛ فإما أن ترتدع السلطات عن استفزاز الأغلبية المسلمة، أو تستمر في سياسات الغطرسة التي لا تفتح سوى أبواب الفتن والمواجهات المجتمعية التي لا تحمد عقباها.