
بدأت كبرى المدن الصينية بتخصيص واجهاتها الحضرية وشاشاتها العملاقة في الأماكن العامة لعرض صور وسير أبرز العلماء والباحثين، متخليةً بذلك عن النمط الاستهلاكي التقليدي الذي يُمجّد عارضي الأزياء ومشاهير الفن والشبكات الاجتماعية.و تضع
هذه المبادرة النوعية العقل في الواجهة، حيث لا تقتصر على كونها احتفاءً محلياً بالأسماء التي صنعت نهضة البلاد في حقول دقيقة كالطب، والفضاء، والهندسة والعلوم الرقمية، و لكنها تشكل إعلاناً صريحاً عن معركة الوعي التي تقودها قوى كبرى لحماية الهوية وصون النشىء من الانجراف وراء التفاهة والاستهلاك المفرط.كما
تأتي هذه الخطوة الصينية لتكرس قطيعة فكرية واضحة مع النماذج السائدة في أجزاء واسعة من العالم الغربي وبعض دول العالم الثالث، حيث باتت الشاشات وفضاءات الإشهار تكرّس مظاهر الانحلال، وتُصنّع « نجوم الزيف » الذين يفتقرون لأي محتوى حقيقي، مما أدى – بحسب مراقبين – إلى تراجع منظومة القيم وإفراغ الأجيال الناشئة من قدواتها الحقيقية.و
في المقابل، تُظهر السياسات الصينية (وإلى جانبها حليفتها روسيا في مسارات حماية السيادة الثقافية والوطنية) إصراراً عميقاً على جعل العلم، والبحث الجاد، والتضحية في سبيل الوطن هي « النجومية الوحيدة » التي تستحق التصفيق. فعندما ترتفع صور علماء الفيزياء والفضاء والطب في أرقى شوارع بكين وشنغهاي، فإن الرسالة تتجاوز الحدود المحلية لتخاطب العالم: الأمم العظيمة هي التي تقدّس عقولها لا أجساد مشاهيرها.
وقد أثارت هذه الظاهرة تفاعلات واسعة النطاق على منصات التواصل الاجتماعي العالمية، حيث عبّر مستخدمون من مختلف القارات عن إعجابهم بهذا النموذج، متسائلين عن سبب لجوء المجتمعات الأخرى إلى تغذية ثقافة السطحية وفقدان الهوية.
ويرى محللون أن الصين، من خلال هذه السياسة، ترسم فاصلًا واضحًا بين قوتين: قوة تسلّح شعوبها بالعلم والمعرفة وتبني المستقبل، وقوة أخرى تدفع مجتمعاتها نحو الهاوية وفقدان البوصلة الأخلاقية والإنسانية تحت مسميات « الحرية الاستهلاكية المطلقة ».
وبهذا، تثبت السياسة الصينية مجدداً أن بناء الأمم لا يبدأ من المصانع والأكواد الرقمية فحسب، بل يبدأ من إعادة هندسة الوعي المجتمعي ووضع الرمز الحقيقي في مكانه الطبيعي: في قمة الهرم لا في قاعه. فأين نحن من ذلك ؟؟
