سبتة ومليلية: استفزازات اليمين المتطرف وسقوط الذاكرة التاريخية في وحل المزايدات السياسية

شهدت مدينة سبتة المحتلة، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، فصلاً جديداً من فصول الاستعراض السياسي الأرعن، بعد أن حطّ زعيم حزب « وكس » الإسباني المتطرف سانتياغو أباسكال، رفقة رئيس حزب « التجمع الوطني » الفرنسي جوردان بارديلا، الرحال بالمدينتين المحتلتين في محاولة بائسة لتدويل خطاب الكراهية واليمين المتطرف، واستغلال الجغرافيا لخدمة أجندات انتخابية ضيقة، متجاهلين الحقائق التاريخية والروابط الجيوسياسية التي تجمع المغرب وإسبانيا.و
يأتي هذا التحرك الاستفزازي في توقيت حساس، عشية الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، وهو ما يعكس رغبة محمومة لبعض الأوساط السياسية المتطرفة في التشويش على مسار الشراكة الاستراتيجية المتميزة بين الرباط ومدريد، والتي رسم معالمها الكبرى جلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي ليوم 9 أكتوبر 2026.حيث
أكد الخطاب الملكي الأخير بوضوح تام أن الشراكة المغربية الإسبانية هي « اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز ». وبهذا الموقف الحازم، وضع العاهل المغربي النقاط على الحروف، مكرساً مبدأ الندية والاحترام المتبادل، ودون إعلان قطيعة وهمية مع الجار الإسباني، بل ترسيم حدود واضحة ترفض الابتزاز الرخيص وتحافظ على استقلالية القرار السيادي.
إن استدعاء أباسكال لسياسي فرنسي مثل جوردان بارديلا إلى سبتة يكشف عن يأس اليمين المتطرف الأوروبي، وسعيه اليائس لنقل النعرة القومية الضيقة خارج الحدود الإسبانية نحو الفضاء الأوروبي الأوسع. غير أن التحالفات الحزبية الظرفية، مهما علا صخبها، عاجزة عن طمس الحقائق التاريخية أو إلغاء السيادة والمطالب الترابية المشروعة.و
بعيداً عن بهرجة اللافتات وشعارات اليمين المتطرف، يبقى التاريخ الإنساني شاهداً على أن الوجود الإسباني في سبتة ومليلية، فضلاً عن السجل الدموي في الأندلس، لم يُبْنَ على شرعية أو تفاهمات حضارية، بل شُيّد على أنهار من الدماء ومجازر بشعة ذهب ضحيتها ملايين المسلمين والمدنيين الأبرياء.و احتلت البرتغال (التي اندمجت لاحقاً في التاج الإسباني) مدينة سبتة عبر غزو مباغت ارتكبت خلاله أفظع الفظائع ضد ساكنتها الآمنة، مروّعةً الأطفال والنساء في واحدة من أبشع حلقات التطهير الديني والعرقي في غرب المتوسط.
و شهد سقوط غرناطة وما تلاه من مراسيم الطرد والتعميد القسري في عهد الملوك الكاثوليك (إيزابيلا وفرديناند) مجازر ممنهجة ومحارق جماعية نفذتها محاكم التفتيش، أسفرت عن إبادة وتشريد ملايين المسلمين واليهود ممن رفضوا التخلي عن هويتهم ودينهم، في تاريخ أسود تعجز دعاية اليمين المتطرف عن محوه.
و مع ذلك ظلت مليلية وباقي الثغور المحتلة مسرحاً لمقاومة مغربية أسطورية دافعت عن الأرض، في مواجهة حملات عسكرية استعمارية اتسمت بالبطش والتنكيل بالقبائل المحلية.و
أمام هذه الاستفزازات البهلوانية، يؤكد المراقبون أن المغرب ليس بحاجة للانجرار وراء ردود فعل انفعالية تخدم أجندات المتطرفين. فالاستراتيجية المغربية تثبت يوماً بعد يوم أنها ترتكز على دبلوماسية ثابتة وهادئة، توازن بين متطلبات حسن الجوار والتعاون الاستراتيجي من جهة، والتمسك المطلق بالسيادة الوطنية وحفظ الذاكرة التاريخية من جهة أخرى.
فلا حسن الجوار يعمّي الأبصار عن الذاكرة التاريخية، ولا التعاون الاقتصادي والأمني يبرر الصمت عن المساس بالكرامة الوطنية. ويبقى الرد الأبلغ والأقوى هو مواصلة مسار التنمية الشاملة، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمملكة، ليظل صوت الحق والشرعية التاريخية أعلى وأبقى من أصوات العزل والتشدد.