شبح الغلاء يلوح في الأفق صدمة الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية تهدد القدرة الشرائية للمواطنين

يجد الاقتصاد الوطني نفسه مجدداً في خط المواجهة الأول مع موجة تضخمية مستوردة تنذر بتداعيات مباشرة وعميقة على المعيش اليومي للمواطنين.و

تتجه أنظار المحللين الاقتصاديين بقلق بالغ صوب الأسواق الدولية، إثر القفزة الهستيرية التي شهدتها أسعار النفط متجاوزة عتبة 110 دولارات للبرميل، مدفوعة باحتدام التوترات ومخاوف اضطراب الملاحة عبر الممرات الاستراتيجية. هذا الالتهاب الطاقي لم يأتِ من فراغ، بل يعكس هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وانعكاساتها المباشرة على دولة تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد حاجياتها النفطية.

وعلى الصعيد المحلي، تظل أسعار المحروقات في المحطات الوطنية تحوم حول مستويات مرتفعة تقارب 15 درهماً للتر الواحد للغازوال والبنزين، وهو ما يكرس عبئاً إضافياً يفوق طاقة المقاولات الصغرى والمتوسطة ويضغط بثقله على تكاليف التشغيل.و

لا يتوقف أثر صدمة الطاقة عند محطات الوقود، بل يمتد بصفة آلية وسريعة ليكتسح الأسواق اليومية وأسعار الخضر والمواد الغذائية الأساسية. وتؤكد مؤشرات قطاع التجارة والتقارير الميدانية أن أي هزة في أسعار المحروقات تترجم فوراً إلى « أثر دومينو » يرفع تكاليف النقل واللوجستيك من حقول الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك الكبرى (مثل الدار البيضاء ومختلف الحواضر).

وعلى الرغم من التسجيل الظرفي لبعض الانخفاضات الموسمية في أسعار بعض الخضر صيفاً، إلا أن شبح ارتفاع الأسعار يظل قائماً وبقوة، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى استقرار أسعار الشحن، أثمان الأسمدة، والإشكالات الهيكلية المرتبطة بتعدد الوسطاء في مسالك التوزيع.و

في مواجهة هذه العواصف، تبرز الأرقام الرسمية صراع الدولة للحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية؛ فرغم تسجيل مستويات مريحة من احتياطات العملة الصعبة تقارب 500 مليار درهم، إلا أن استمرار نزيف الواردات الطاقية يفرض تحديات هيكلية جسيمة. وتتصاعد التخوفات من لجوء السلطات المالية إلى مزيد من الآليات التمويلية الدولية وخطوط الائتمان لامتصاص الصدمات، وهو ما يضاعف من أعباء المديونية العمومية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه التقارير الرسمية على أهمية صيانة الاستقرار المالي والنقدي للبلاد، يرى مهتمون وفاعلون مدنيون واقتصاديون أن الواقع المعيشي للمواطن البسيط بات يئن تحت وطأة الضغوط المتراكمة. فبينما تتوالى التحذيرات من تآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة، تبقى التساؤلات مطروحة بحدة حول نجاعة السياسات العمومية في حماية السوق الداخلية ومنع انتقال الحمى الدولية إلى جيوب المواطنين التي هي اصلا تعاني الأمرين .