بين كرم الضيافة ومنطق الاحتراف : ماذا قدم المغرب للمنتخبات في كأس إفريقيا وما الذي يجري اليوم في الولايات المتحدة؟

أعادت النقاشات الدائرة حول ظروف إقامة وتداريب بعض المنتخبات في التظاهرات الدولية الكبرى إلى الواجهة سؤالاً مشروعاً: هل حظي ما قدمته بلادنا لضيوفه الرياضيين خلال السنوات الأخيرة بالتقدير الذي يستحقه؟
فالمملكة لم تتعامل مع استضافة المنافسات القارية والدولية بمنطق الحد الأدنى من الالتزامات التنظيمية، بل اختارت منذ سنوات الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرياضية، عبر تشييد ملاعب حديثة، وتأهيل مراكز تدريب متطورة، وتوفير مرافق للإقامة والاستشفاء والنقل وفق معايير دولية متقدمة. وقد رُصدت لهذا الورش ميزانيات ضخمة جعلت من المغرب أحد أبرز الأقطاب الرياضية الصاعدة على المستويين الإفريقي والعالمي.


وخلال مختلف البطولات التي احتضنتها المملكة، استفادت المنتخبات المشاركة من ظروف استثنائية لم تكن متاحة في العديد من الدول المنظمة للمنافسات الرياضية. فقد وُضعت رهن إشارتها ملاعب تدريب عالية الجودة، ومركبات رياضية مجهزة بأحدث الوسائل التقنية، فضلاً عن تسهيلات لوجستية وتنظيمية واسعة، إضافة إلى أجواء ترحيب وحفاوة عكست قيم الكرم والانفتاح التي تميز المجتمع المغربي.
ورغم ذلك، لم تخلُ بعض المشاركات من انتقادات وشكاوى صدرت عن أطراف فضلت التركيز على تفاصيل جزئية أو أحداث معزولة، متجاهلة حجم الجهد والاستثمارات التي وُضعت لخدمة المنتخبات والوفود الرسمية. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الأصوات التي لم تتردد في انتقاد ظروف معينة داخل المغرب، وجدت نفسها اليوم أمام تحديات مشابهة أو أكبر خلال مشاركاتها في بطولات تقام بدول أخرى، دون أن يصاحب ذلك المستوى نفسه من الجدل أو الاعتراض.


هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول مدى موضوعية بعض المواقف، وحول ضرورة الفصل بين التقييم المهني للظروف التنظيمية وبين الأحكام المتسرعة أو الانفعالية. فالرياضة الحديثة أصبحت صناعة عالمية تقوم على التخطيط والاستثمار والاحتراف، ولم يعد نجاح المنتخبات أو فشلها مرتبطاً فقط بجودة الفنادق أو ملاعب التداريب، بل بمدى جاهزية الاتحادات الوطنية وقدرتها على توفير أفضل الظروف الممكنة لبعثاتها الرياضية.
لقد أثبت المغرب، بشهادة العديد من الهيئات الرياضية الدولية والإفريقية، أنه يمتلك من البنيات والتجهيزات والخبرات التنظيمية ما يؤهله لاحتضان أكبر التظاهرات العالمية. كما أثبت أن الضيافة المغربية هي ممارسة ميدانية انعكست في طريقة استقبال الوفود وتوفير كل سبل الراحة لها.
ومن حق المغرب اليوم أن ينظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها رصيداً وطنياً واستراتيجياً، وأن يعمل على تثمينها وفق رؤية اقتصادية ورياضية متكاملة. فالعالم الرياضي المعاصر لا يقوم على المجاملة وحدها، بل على التقدير المتبادل واحترام الجهود والإمكانات التي تُسخر لإنجاح المنافسات.
وفي النهاية، يبقى الثابت أن المملكة قدمت الكثير لكرة القدم الإفريقية وللرياضة القارية عموماً، وأن ما تحقق على أرضها من منشآت وتجهيزات ومرافق هو استثماراً طويل الأمد سيظل شاهداً على طموح المغرب في أن يكون منصة رياضية عالمية بكل المقاييس.