المرأة المغربية في قمة السلطة التنفيذية: استحقاق دستوري وعمق تاريخي وريادة مالكية أصيلة

يشهد المشهد السياسي المغربي نقاشاً حيوياً ومحموداً يعكس نضج الديمقراطية المغربية وحرص مختلف الفاعلين على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد. وفي هذا السياق، أثار تولي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة بعد تصدر حزبها للاستحقاقات السياسية نقاشات متباينة بين مؤيد يرى فيه تتويجاً لمسار الكفاءة والاصطفاف الديمقراطي، وبين منتقد يستصحب صوراً نمطية متجاوزة ترى في قيادة المرأة للسلطة التنفيذية أمراً غير مألوف.

غير أن قراءة متأنية للمسار التنموي والحقوقي للمغرب، وللعمق الشرعي والثقافي للثوابت المغربية، تؤكد أن تولي المرأة لرئاسة الحكومة ليس فقط خياراً ديمقراطياً سليماً، بل هو امتداد طبيعي لمسار تاريخي متفرد أثبتت فيه المرأة المغربية جدارتها في شتى الميادين.

إن الطرح القائل بأن تولي المرأة رئاسة الحكومة أمر « غير سوي » يتناقض مع الديناميكية العالمية المعاصرة، حيث سبقت دول عديدة عبر العالم – ديمقراطية وعريقة – إلى إسناد قيادة حكوماتها لنساء أثبتن كفاءة عالية في إدارة الأزمات وتحقيق التنمية. كما أن هذا الطرح يصطدم بالمقاصد السمحة للشريعة الإسلامية، سيما في ظل المذهب المالكي الذي ينفرد بمرونة اجتهادية عالية ومقاصد تراعي المصلحة المرسلة (المصالح المعتبرة شرعاً).

فالمذهب المالكي، بقواعده الأصولية التي تُعنى بتحقيق مناط الأحكام وتنزيلها على واقع الناس، لا يضع موانع تعسفية أمام تولي المرأة للمسؤوليات الكبرى متى توفرت فيها شروط الكفاءة، والأمانة، والقدرة على التدبير. والواقع المغربي المعاصر يزخر بنماذج حية قطعت مع التردد؛ فالمرأة المغربية أثبتت تميزها كمهندسة، وطبيبة، وأستاذة جامعية، وخبييرة اقتصادية، وقاضية تحكم بالعدل، وربانة طائرة تحلق في الأعالي، وسائقة قطار تؤمن حركة التنقل، فضلاً عن دورها الأساسي كأم ومربية للأجيال.

ولا يتوقف سقف حضورها عند هذا الحد، بل تعداه إلى تقلد مسؤوليات جسام مثل رئيسة جماعة ترابية، ووزيرة قطاعية، ومديرة شركة كبرى، وكاتبة عامة، وسفيرة تمثل المملكة، وسيدة أعمال تقود الاستثمار، لتتوج هذا المسار بتبوّأ منصب رئيسة حكومة.

و التأصيل الشرعي لحضور المرأة في واجهة القرار يستند إلى الأساس النبوي القويم في الحديث الشريف: « إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ »، وهو حديث يرسخ مبدأ المساواة في التكليف والمسؤولية والكرامة الإنسانية، ويفتح الباب أمام التكامل لا الصراع بين الجنسين في بناء المجتمع والدولة.

وعلى المستوى المؤسساتي، كرّس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا المبدأ بوضوح تام من خلال التنصيص على المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز، مما جعل الارتقاء بالنساء إلى أعلى مراتب المسؤولية السياسية والتنفيذية خياراً دستورياً لا رجعة فيه، يستجيب للتوجيهات الملكية السامية الداعمة دائماً لتمكين المرأة ورفع حيف التهميش عنها.لهذا

فإن تقييم المسؤولين السياسيين يجب أن يُبنى على أساس الكفاءة، والنزاهة، والبرامج الواضحة، والالتزام بخدمة الصالح العام، بعيداً عن أي اعتبارات جندرية متجاوزة. لقد اختار الناخبون المغاربة صناديق الأفرزات التي بوّأت حزب السيدة المنصوري صدارة المشهد، ومن ثم فإن توليها لرئاسة الحكومة هو ترجمة أمينة للإرادة الشعبية ولمخرجات اللعبة الديمقراطية. كما أن

الوصول إلى رئاسة الحكومة اليوم ليس هبة ولا منّة، بل هو استحقاق مستحق ناتج عن مسار طويل من النضال والعمل الجاد في مختلف المواقع. وإن الرهان الحقيقي اليوم ليس هو الجدل حول جنس المسؤول، بل في حجم الإنجازات والقدرة على رفع التحديات التنموية الكبرى التي تنتظر المغرب. والنساء، كما كان دائماً عبر التاريخ، شقائق الرجال في البناء، والتطوير، وصناعة المستقبل المشرق للوطن.