
في الوقت الذي تحتفي فيه الرياضة الوطنية بثرائها البصر وبأرشيها الذهبي الممتد لعقود، يرقد خلف الأضواء من صنع جزءاً أصيلاً من هذه الذاكرة. المصور الصحفي الرياضي محمد منبي، الفارس الذي حمل الكاميرا لأكثر من أربعة عقود (40 سنة) ليوثق مجد الكرة المغربية بالأبيض والأسود ثم بالألوان، يجد نفسه اليوم طريح الفراش، مكلوماً بين جدران العزلة والفقر والمرض.
في زمنٍ لم تكن فيه التكنولوجيا الرقمية تُصحح الأخطاء بضغطة زر، كان «السي محمد» يجري محاذياً لخطوط التماس، حاملاً أثقال معدات التصوير التقليدية ومُطارداً اللحظة الهاربة. لم تقتصر رحلته على الملاعب الكبرى، بل واكب «كرة القدم العميقة» في أحياء الدار البيضاء وملاعب الهواة بالحي المحمدي، ودرب السلطان، وبنمسيك، وسيدي عثمان، وعين السبع، والبرنوصي.. رسّخ بجهده وصبره تفاصيل شغفٍ جماهيري ملحمي.
واليوم، بعد عقودٍ من التضحية والركض في الملاعب، غادر المصور محمد منبي المستشفى عائداً إلى بيته، لكنه عاد منقوصاً بعد بتر ساقه اليمنى إثر مضاعفات صحية معقدة. الساق التي طالما حملته لإسعاد الجماهير وتوثيق إنجازات الأبطال، طُويت صفحتها إلى الأبد، ليواجه اليوم وحيداً برفقة زوجته قسوة الزمن، وآلام الجسد، وتكاليف العلاج الباهظة، في ظل انعدام أي مورد رزق أو شبكة أمان اجتماعي.
إن المعاناة التي يعيشها محمد منبي اليوم ليست مجرد حالة إنسانية فردية، بل هي سؤالٌ مؤرقٌ حول واقع الصحفيين والمصورين الرياضيين بالمغرب بعد أفول أضواء المهنة. إن التاريخ البصري للرياضة الوطنية، الذي نتباهى به في المحافل والمتاحف والمعارض، كُتب بعدسات رجالٍ أنفقوا شبابهم وصحتهم في سبيل الواجب المهني، ثمّ انتهى بهم المطاف في «جغرافيا الهامش».
إذا كان رفاق الدرب والأوفياء—من أمثال الزميلين محمد العدلاني ومحمد أبوسهل والباحث منصف اليازغي وعبد اللطيف نداي—يحاولون مدّ يد الدعم والمؤانسة، فإن حجم المأساة يتجاوز المبادرات الفردية والأخوية.
إن السي محمد منبي اليوم لا يستجدى عطفاً، بل يطالب بـ ردّ الدين والتفاتة كرامة مستحقة من المؤسسات الوصية على قطاع الثقافة والاتصال والرياضة، ومن القطاعات المعنية بالنشر والإعلام، ومن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والجمعيات المهنية للمصورين والصحفيين.
- هل نترك عين الذاكرة البصرية تُطفئها مرارة الجحود وضيق ذات اليد؟
- أم تتحرك الضمائر الحية والمسؤولة لإنقاذ ما تبقى من كرامة هذا المبدع وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية الشاملة له ولأسرته؟
إن الوفاء للذاكرة الوطنية يبدأ بالتكريم الحقيقي لصنّاعها وهم أحياء.. والسي محمد منبي ليس مجرد مصورٍ متقاعد، بل هو قطعةٌ أصيلة من ذاكرة وطن يجب ألا تُترك وحيدة في خندق الحزن.

