مصطفى طلال… أخٌ لم تلده أمي، وابتسامتُه أملٌ ينتظر عودته

بقلم عبدالرحيم بخاش

هناك أصدقاء تجمعنا بهم الصدفة، وهناك أصدقاء تمنحهم لنا الحياة ليصبحوا جزءًا من أرواحنا، حتى نعجز عن تخيّل أيامنا من دونهم. وهناك رجال لا تكفي الكلمات لوصف مكانتهم، لأن ما يسكن القلب تجاههم أكبر من أن تحيط به العبارات.
مصطفى طلال ليس مجرد صديق، بل أخٌ لم تلده أمي، وإنما ولدته صداقة حقيقية صاغتها المواقف، ورسّختها الثقة، وباركتها الأيام.
عندما يتحول الصديق إلى أخ، وعندما تصبح أسرارك أمانةً بين يديه، وتجد نفسك تبوح له بما لا تستطيع البوح به لغيره، فاعلم أنك أمام علاقة تجاوزت حدود الصداقة لتصبح أخوّةً صادقة لا تصنعها المصالح، ولا تهزّها تقلبات الحياة.
ذلك هو مصطفى طلال؛ الرجل الهادئ، صاحب الابتسامة التي تسبق كلماته، والروح التي لا تعرف الضجيج، لكنه يعرف جيدًا كيف يكون حاضرًا حين يحتاج الآخرون إلى حضوره. رجل يقضي حوائج الناس دون تردد، ويمد يده للمقهور والفقير، ويقف إلى جانب من ضاقت بهم السبل، لا بحثًا عن امتنان، ولا انتظارًا لردّ الجميل، بل لأن النبل عنده سلوك، والإنسانية طبع، ومساعدة الآخرين قناعة لا تحتاج إلى إعلان.
لقد عرفه كثيرون من خلال مساره المهني، خصوصًا خلال تجربته الصحفية بالقناة الثانية، حيث ظلّت الابتسامة عنوانًا لحضوره، والهدوء سمةً لشخصيته، والتواضع جسرًا يربطه بمحيطه الرياضي والإعلامي. لكن الذين اقتربوا منه أكثر يعرفون أن خلف تلك الابتسامة قلبًا كبيرًا، وأن خلف هدوئه إنسانًا يحمل من الوفاء والطيبة ما لا تكشفه اللقاءات العابرة.
واليوم، ونحن نعيش محنة مرضه، لا أكتب عن زميل أو صديق فحسب، بل أكتب عن أخٍ عزيز، وعن إنسان ترك في قلوب محبيه أثرًا لا تمحوه الأيام. أكتب لأن المرض، مهما اشتدت قسوته، لا يستطيع أن يحجب نور المحبة، ولأن لحظات المحنة تكشف حقيقة الروابط الإنسانية، وتُظهر من كان قريبًا بالقلب قبل أن يكون قريبًا بالمكان.
والحمد لله، بدأت ملامح الشفاء تلوح في الأفق، وعادت إلى قلوبنا بشائر الأمل، وبدأنا نستعيد شيئًا من الطمأنينة ونحن نرى المؤشرات التي تبعث على التفاؤل. نسأل الله العلي القدير أن يتمّ عليه نعمة العافية، وأن يلبسه ثوب الصحة، وأن يجعل ما مرّ به بردًا وسلامًا، وأن يعيده إلى أسرته وأصدقائه ومحبيه في أتمّ الصحة والعافية.
وإذا كان المرض قد وضع مصطفى أمام امتحان صعب، فإنه وضع المحيطين به أمام امتحان آخر: امتحان الوفاء. وهنا لا بد من كلمة شكر وامتنان لكل من وقف إلى جانبه، وسأل عنه، ودعا له، وسانده بكلمة طيبة أو بموقف نبيل.
تحية تقدير ووفاء إلى زملائه في المغربية للصحافيين الرياضيين بلا حدود، وإلى جميع الصحافيين والإعلاميين الذين لم يبخلوا عليه بالسؤال والدعاء والمساندة. لقد أثبتم أن المهنة، مهما أثقلتها الخلافات والانشغالات، تظل قادرة على أن تجمع أبناءها حول القيم الإنسانية النبيلة، وأن الزمالة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات، بل بما يظهر منها في ساعات الشدة.
لكن المشهد الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلًا، والذي لامس أعماق القلب، هو مشهد الأسرة وهي تحيط بمصطفى في محنته.
تحية حب وتقدير إلى زوجته، تلك المرأة التي كانت إلى جانبه كالظل، حاضرة في تفاصيل محنته، تتابع أحواله، وتمنحه من صبرها وحنانها وقوتها ما لا تستطيع الكلمات أن تصفه. ففي أوقات المرض، لا تكون المحبة مجرد كلمات تُقال، بل تصبح سهرًا وقلقًا وصبرًا ودعاءً، وتفاصيل صغيرة لا يراها الناس، لكنها تعني الكثير لمن يعيشها. ولعلّ أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لشريك حياته أن يشعره، في أصعب لحظاته، بأنه ليس وحده.
ولا يمكنني، وأنا أتحدث عن هذه الأسرة المغربية الأصيلة، أن أغفل أبناء مصطفى، وبالخصوص ابنه ياسين، الذي استوقفني حضوره اللافت، وحرصه على والده، وتفرغه لمتابعة الصغيرة قبل الكبيرة. لقد كان في سلوكه ما يتجاوز واجب الابن تجاه أبيه؛ كان درسًا في البر، وصورةً صادقة لمعنى الوفاء العائلي، ورسالةً بليغة تؤكد أن التربية الطيبة لا تحتاج إلى خطب طويلة، بل تكشف عنها المواقف حين تشتد المحن.
إن ما رأيته من تماسك هذه الأسرة يجعلني أقول بكل اعتزاز: هكذا تكون العائلة المغربية حين تستدعي الحياة معدنها الأصيل؛ تتوحد القلوب، وتتقاسم الأكتاف ثقل الألم، ويتحول الحب إلى قوة، والقلق إلى رعاية، والدعاء إلى رجاء لا ينقطع.
لقد ذكّرتنا محنة مصطفى بأن الإنسان، مهما بلغت مكانته المهنية والاجتماعية، يظل في لحظات ضعفه محتاجًا إلى دفء أسرته، وصدق أصدقائه، ودعاء محبيه. وذكّرتنا أيضًا بأن أجمل ما يتركه المرء في هذه الحياة ليس ما يملكه، ولا ما يحققه من نجاحات، بل ما يزرعه في قلوب الآخرين من محبة، وما يجده حوله من وفاء حين يحتاج إلى من يقف بجانبه.
مصطفى، يا أخي الذي لم تلده أمي، بل ولدته صداقة اختبرتها المواقف، لست وحدك في هذه الرحلة. حولك أسرة تحبك، وأصدقاء يفتقدون ابتسامتك، وزملاء يسألون عنك، وقلوب ترفع أكفها إلى السماء من أجلك.
نسأل الله أن يجعل القادم أجمل، وأن يبدّل خوفنا طمأنينة، وقلقنا فرحًا، وأن نراك قريبًا تستعيد عافيتك، وتعود إلى حياتك وابتسامتك، وتفتح لنا باب اللقاءات التي نشتاق إليها.
اللهم يا شافي يا معافي، اشفِ مصطفى طلال شفاءً لا يغادر سقمًا، وأتمم عليه نعمة العافية، واحفظه لأسرته وأبنائه وزوجته، وأقرّ أعينهم بتمام شفائه، واجزِ كل من وقف إلى جانبه خير الجزاء.
فبعض الأصدقاء إخوةٌ اختارتهم لنا الحياة، وبعض المواقف تكشف لنا قيمة هؤلاء الإخوة، وبعض المحن تعلّمنا أن المحبة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها.
سلامتك يا مصطفى… فالعالم الذي اعتاد ابتسامتك ينتظر عودتها، وأخوك الذي لم تجمعه بك رابطة الدم، لكنه جمعته بك رابطة القلب، ينتظر اليوم الذي يقول فيه بكل فرح: الحمد لله، عاد مصطفى كما نحبّه، وعادت معه الطمأنينة إلى قلوبنا.