سماسرة برداء مؤسساتي أم ثورة على الغلاء؟

تتجدد النقاشات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا حول رهانات إصلاح مسالك التوزيع والحد من لهيب الأسعار الذي أنهك القدرة الشرائية للمواطنين، لا سيما مع التوجه نحو إحداث شركات جهوية لتجميع وتوزيع المنتجات الفلاحية. خطوة يعلق عليها الشارع وآمال واسعة لتقليص الهوة الشاسعة بين ثمن الإنتاج في الضيعات وسعر الاستهلاك في الأسواق. غير أن التجربة الميدانية والاختلالات الهيكلية التي عانت منها أسواق الجملة لسنوات تفرض قراءة استباقية متأنية، قوامها الحذر المشروع من أن يتحول هذا الورش الإصلاحي الواعد إلى « سماسرة جدد » يرتدون عباءة مؤسساتية.

فالهدف الجوهري من إشراك الدولة والفاعل العمومي في تنظيم مسالك التوزيع هو قطع الطريق نهائياً أمام شبكات الوساطة العشوائية والمضاربين الذين يعيثون فساداً في الأسعار. بيد أن نجاح هذه الشركات الجهوية رهين بتفادي السقوط في فخ البيروقراطية المقننة أو تكرار نفس آليات الاحتكار بصيغ جديدة. فحين تُمنح هياكل تنظيمية صلاحيات واسعة للتحكم في حلقة الوصل بين الفلاح والمستهلك، يصبح لزاماً إرساء ميكانيزمات رقابة صارمة تضمن ألا تتحول هذه الكيانات إلى وسيط رسمي يحتكر السوق ويفرض شروطه، بل يجب أن تبقى مجرد « قنوات تمرير شفافة ومرنة » تخدم المصلحة العامة ولا تثقل كاهل لا المنتج البسيط ولا المواطن المقتدر.

لأن التخوف من استبدال « سماسرَة السوق التقليدي » بـ »سماسرة مؤسساتيين » ليس رجماً بالغيب، بل هو استقراء لواقع تجارب سابقة رافقتها تعثرات في الحكامة وتضارب في المصالح. فلكي تؤدي هذه الشركات دورها المنشود في خفض الأسعار، يجب أن تقترن بهيكلة لوجستستيكية حقيقية، تشمل غرف التبريد، وسائط النقل المبرد، وتسهيل الإجراءات أمام الفلاح الصغير دون تعقيدات إدارية تدفعه للعودة مرغماً إلى أحضان الوسطاء التقليديين.

إضافة إلى ذلك، تقتضي الضرورة إخضاع هذه الشركات لشفافية مطلقة ورقمنة شاملة لتتبع مسار السلعة من منبعها إلى مستقرها النهائي، مع تحصينها ضد أي ولاءات ضيقة أو محاولات توظيف ريعي. فالمواطن اليوم لم يعد يتقبل سوى النتائج الملموسة على أرض الواقع؛ إما إجراءات جريئة وحازمة تطهّر السوق وتُنصف المنتج والمستهلك معاً، أو إعادة إنتاج الأزمة برداء جديد.

إن رهان الشركات الجهوية هو معركة مصيرية ضد الغلاء، ولكي تكسب هذه المعركة، ينبغي أن تُبنى على أساس حماية الاقتصاد الحر الحقيقي والمنافسة الشريفة، لا على ترخيص وتأسيس لـ »سماسرة جدد » يحظون بالغطاء الرسمي.