بين الرهانات الجيوسياسية ومحاذير السيادة : كيف يحصن المغرب قراره الوطني في مرحلة الدبلوماسية المتقدمة؟

يستمر التسارع في العلاقات الدولية والإقليمية للمملكة، و ترافقه نقاشات عميقة وواسعة في الشارع والنخب الوطنية حول طبيعة الشراكات الاستراتيجية والاتفاقيات المبرمة في مختلف القطاعات، يبرز تساؤل جوهري حول آليات حماية الأمن القومي المغربي وضمان ألا تحيد البلاد عن مسار السيادة التامة والقرار الوطني المستقل.
ورغم ما تبديه بعض الأقلام والاتجاهات من مخاوف وهواجس مشروعة حيال « التبعية الناعمة » أو التغلغل في مفاصل الحساسية الوطنية، فإن المقاربة الموضوعية تؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بالانكفاء، بل بقدرتها على التعامل مع التعقيدات الإقليمية بمنطق الندية، استثمار نقاط القوة، وحراسة الثوابت الاستراتيجية للبلاد.
ولكي يظل المغرب عصياً على أي محاولة للهيمنة، وتجنباً لأي سيناريوهات محتملة لتحويله إلى « فريسة سهلة »، تتفق آراء الخبراء والمحللين على ضرورة التركيز على خمسة محاور استراتيجية كبرى، منها
السيادة التكنولوجية والأمن الرقمي، من خلال الاستعانة بالحلول التقنية الخارجية يجب أن يوازيها استثمار وطني حقيقي وجاد في الكفاءات المحلية وتطوير منظومة البحث العلمي والأمن السيبراني، مع إخضاع أي تقنيات أو شراكات أمنية لرقابة صارمة تضمن استقلالية المعطيات ومنع أي اختراقات محتملة عبر « الأبواب الخلفية ».و
الحفاظ على الأمن الغذائي والمائي ، بحماية الثروات الطبيعية المائية والفلاحية للمملكة من الاستنزاف الموجه حصرياً للتصدير، وحراسة المنتجات المجالية والتاريخية المغربية (كالتمور والأركان والزعفران) من أشكال القرصنة أو المنافسة غير العادلة التي تهدد استدامة العيش للمواطن البسيط.و كذلك
تحصين الهوية والمنظومة التربوية ، بالارتكاز على المرجعيات الوطنية والدينية والتاريخية الراسخة للمملكة، ورفض أي مسخ أو تهجين في المناهج التعليمية أو الخطاب العمومي، بما يضمن تنشئة جيل واعٍ بقضاياه العادلة ومرتبط بهويته، قادر على التمييز بين التعاون البرغماتي وبين التفريط في المبادئ. و
الشفافية وربط القرار بالإرادة الشعبية ، بتعزيز قنوات التواصل المؤسساتي بين الدولة والمجتمع، وتوسيع هامش النقاش الديمقراطي والشفافية في الملفات الكبرى، لقطع الطريق أمام التأويلات وخلق جبهة داخلية صلبة وواعية تلتف حول المصالح العليا للوطن.و أخيرا
الندية في ربط المصالح ، بإدارة الشراكات الدولية بمنطق المصلحة الوطنية أولاً، بحيث تكون أي اتفاقيات أمنية أو اقتصادية أو عسكرية مبنية على نقل التكنولوجيا، تكوين الكفاءات الوطنية، وحفظ حرية القرار السيادي، بعيداً عن منطق الاعتماد المطلق الذي قد تحاول بعض الأطراف استغلاله.
إن المغرب، بتاريخه العريق الذي يمتد لأكثر من اثني عشر قرناً ودبلوماسيته الرصينة، أثبت مراراً قدرته على المناورة بحنكة في أحلك الظروف الإقليمية؛ شريطة أن تظل اليقظة الداخلية وحراسة الثوابت هما البوصلة الدائمة لكل خيار استراتيجي.