
نعيش في زمن تكتظ فيه الفضاءات الرقمية بالأصوات الباحثة عن الإثارة ولفت الانتباه، حيث تتواصل السقطات الفكرية لبعض من يُحسبون على « الخطاب الإصلاحي »، ليتحول ما كان يُقدم سابقاً تحت غطاء « إعادة قراءة التراث » إلى هجوم سافر وممنهج يطال أقدس مقدسات الأمة الإسلامية؛ بدءاً بالقرآن الكريم مروراً بالسنة النبوية ووصولاً إلى الطعن المباشر في مقام النبوة السامية والصحابة الأبرار. و
إن التتبع الدقيق للخرجات المثيرة للجدل للباحث المثير للجدل محمد الفايد ومن على نهجه، يكشف بوضوح عن الانزلاق الخطير من دائرة الاختلاف العلمي المعتبر إلى منزلق « العبث بالثوابت ». فقد باتت المنصات الرقمية تستقبل خطابات هجينة تعتمد التشكيك المجاني في الأحاديث الصحيحة الثابتة، ورفض الإجماع المستقر منذ قرون، متخذة من « الشطحات الفكرية » مطية لتصدير أفكار ومغالطات تهدد الأمن الروحي والهوية الدينية للمجتمعات المغاربية والإسلامية. و
لم تتوقف حدود هذه الخطابات عند حدود نقد الفقه البشري -الذي هو بطبيعته قابل للاجتهاد- بل تجاوزته لتطال أصول التشريعات؛ حيث تعمد هؤلاء « الدعاة الجدد » إلى:
عبر إسقاط حجيتها ومحاولة فصل التشريع عن الوحي الثاني، في مخالِفة صريحة لإجماع الأمة من سلف وخلف. و
من خلال الطعن في عدالة ومكانة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، محاولين تشويه التاريخ الإسلامي الناصع بخلق أكاذيب وشبهات واهية لا سند لها من علم ولا تحقيق.
وصولاً إلى التشكيك في خصائص الأنبياء ومقام خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في محاولة بائسة للنيل من أشرف خلق الله، متجاهلين أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه هما ركن ركين في عقيدة المسلمين.
ويجمع المراقبون والباحثون في الشأن الديني أن ما يقوم به أمثال الفايد ليس اجتهاداً علمياً، بل هو استثمار رخيص في « صناعة البوز » (البحث عن الشهرة والنسب والمشاهدات) على حساب ثوابت الأمة. فهؤلاء يعلمون جيداً أن مخالفة الإجماع والمساس بالمقدسات يشكلان مادة دسمة لإثارة الجدل وخلق الصدامات، مما يضمن لهم صدارة « التريند » الرقمي، حتى وإن كان الثمن هو هدم الثقة بين الناشئة ومرجعيتها الدينية السمحة.و
أمام هذا التمادي في ترويج الأباطيل، تبرز الحاجة الملحة لليقظة العلمية والمؤسساتية والمجتمعية لحماية الناشئة من سموم الانحراف الفكري والتغريب الممنهج. فالمجتمع المغربي، بتاريخه العريق في حراسة الثوابت الدينية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، كان دائماً سداً منيعاً أمام كل محاولات التميع الفكري والعبث بالثوابت. و
إن الرد على هذه الانحرافات لا يقتصر على الاستنكار العاطفي فحسب، بل يتطلب تجفيف منابع التضليل بالعلم الرصين، وبيان زيف تلك الأطروحات الهزيلة التي تريد بالدين وبثوابت الأمة كيداً، مصداقاً لقوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
