ورقة في عمق الجيوسياسة: المغرب في مواجهة مناورات الجوار و التاريخ

لم تعد الأزمات الدبلوماسية والسياسية تُدار خلف الأبواب المغلقة وحدها، بل أصبحت الساحات العامة والشاشات وامتدادات الإعلام مسرحاً لصراع نفوذ تتقاطع فيه خيوط التاريخ والجغرافيا. وما تشهده الساحة الإسبانية مؤخراً من حراك محتقن، وما يصاحبه من توظيف سياسي وإعلامي لملفات حساسة كقضية الثغور المحتلة وملف الهجرة، يفتح الباب واسعاً لقراءة هادئة ومهنية بعيداً عن شعبوية الشعارات وعواطف الشارع الموجهة.

إن تتبع مسار الأحداث والمظاهرات المرتبطة بملفات الحدود والوجود الإسباني في شمال إفريقيا يكشف بوضوح عن تحول في أساليب إدارة الأزمات لدى بعض الدوائر في مدريد. فعندما تعجز الدبلوماسية الكلاسيكية عن فرض أجنداتها، ويخفق الإعلام التقليدي في تطويق الحقائق الجيوسياسية، غالباً ما يتم اللجوء إلى الورقة الأخيرة: تأليب الشارع وصناعة عدو خارجي. كما أن

استخدام ورقة الأطفال، وصور الضحايا، والمشاهد العاطفية المخدومة، وصولاً إلى الاستفزازات الرمزية كتمزيق الرايات، يعكس عجزاً بنيوياً في مقاربة الملفات العميقة التي تجمع الرباط بمحيطها الأوروبي. فالمشهد لا يبدو في كثير من تفاصيله عفوياً، بل يحمل بصمات توجيه ممنهج يهدف إلى الهروب للأمام والتغطية على الإخفاقات الداخلية عبر تصدير الأزمات واختلاق « فزّاعة » خارجية. و

لقد أثبتت بلادنا ، عبر محطات تاريخية ودبلوماسية متعددة، أن تعاطيه مع القضايا الإستراتيجية يتسم بالرزانة، والعمق، والترفع عن الانجرار خلف ردود الفعل الانفعالية. فالرباط اليوم لم تعد ذلك الطرف الذي يمكن الضغط عليه بالأدوات التقليدية أو من خلال التعبئة الشعبية الظرفية.

المعادلة الإقليمية والدولية تغيرت جذرياً؛ فالمغرب يراقب بقراءة واعية هذه التحركات، مستنداً إلى وضوح موقفه التاريخي ومشروعيته، وإلى دينامية تنموية ودبلوماسية جعلت صوته وزنه محسوباً بدقة في المعادلات الأورو-متوسطية والإفريقية. ومن يراهن على استمرار منطق « الوصاية » أو إدارة الأزمات بالصراخ الإعلامي، يغفل حقيقة أن التاريخ لا يرجع إلى الوراء.و

تبقى قضية الثغور المحتلة (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) جرحاً تاريخياً مفتوحاً في خاصرة السيادة المغربية، وحقيقة جغرافية لا يمكن لكل أوراق الضغط السياسية محوها. وكما تؤكد صرخة التاريخ والحتميات الجيوسياسية، فإن منطق الاستعمار مهما طال أمده فهو زائل أمام إرادة الحق والسيادة الوطنية الكاملة. لهذا

فإن التفاعل الرشيد للدولة المغربية مع مختلف الأزمات يكشف عن نضج مؤسساتي كبير، يدرك متى يتحرك، وكيف يضع الأمور في نصابها الصحيح، دون أن يلتفت إلى الاستعراضات الموسمية التي تنتهي بانتهاء الغرض السياسي الداخلي لصانعيها. فالسيادة والكرامة الوطنية خط أحمر، والتعامل مع المغرب بندية ووضوح هو المعيار الوحيد لضمان استقرار المنطقة وتأمين مستقبلها المشترك.