
بقلم عبدالرحيم بخاش
من الشبيبة المدرسية إلى البرلمان، ومن التدبير المؤسساتي إلى قيادة الفريق الاستقلالي، وصولًا إلى الحكومة… رحلة سياسية ومهنية تختزل سنوات من التدرج، وتنتهي اليوم أمام مسؤولية ترتبط مباشرة بمستقبل الشباب المغربي.
لم يكن تعيين ماديحة خيير وزيرةً منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفةً بالتكوين المهني والتأهيل، مجرد محطة جديدة تضاف إلى سيرتها، بل منعطفًا بارزًا في مسار امرأة انتقلت بين فضاءات متعددة، من العمل المهني والإداري إلى الممارسة السياسية والبرلمانية، قبل أن تصل إلى دائرة القرار الحكومي.
ففي 16 أكتوبر 2026، أُعلن عن تعيينها ضمن أعضاء الحكومة الجديدة، لتبدأ فصلًا مختلفًا من تجربتها، عنوانه المسؤولية التنفيذية في قطاع يُعدّ من أبرز الملفات المتصلة بالتشغيل والتنمية وتأهيل الكفاءات.
من قصبة تادلة بدأت الحكاية…
وُلدت ماديحة خيير بمدينة قصبة تادلة، بإقليم بني ملال، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، داخل أسرة ارتبطت بحزب الاستقلال. ومنذ سنوات الدراسة، اتجهت نحو العمل السياسي، فالتحقت بالشبيبة المدرسية الاستقلالية سنة 1992، ثم بالشبيبة الاستقلالية سنة 1997، لتبدأ رحلة طويلة داخل التنظيمات الحزبية، بالتوازي مع مسارها الدراسي والمهني.
ولم يكن التكوين الأكاديمي بعيدًا عن هذا المسار؛ فقد واصلت دراستها العليا في مجالات التجارة والتدبير، وحصلت على شهادة في التجارة الخارجية سنة 2001، كما نالت لاحقًا شهادات عليا، من بينها الدكتوراه في علوم التسيير. وهكذا، اجتمع في تجربتها الاهتمام بالعمل السياسي مع التخصص في مجالات ترتبط بالتدبير والإدارة والمالية.
من الإدارة إلى التدبير المؤسساتي…
مهنيًا، التحقت ماديحة خيير بالمكتب الوطني للمطارات، حيث تقلدت مهام متعددة بين سنتي 2008 و2017، قبل أن تتولى منصب الكاتبة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2021.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من طبيعة المؤسسات التي اشتغلت داخلها، حيث يتطلب العمل الإداري قدرًا من التنظيم والتنسيق ومتابعة الملفات، فيما يرتبط مجال الطيران المدني بالتكوين المتخصص وتأهيل الكفاءات.
وقد شكّلت هذه التجربة ركنًا أساسيًا في مسارها، قبل أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من الحضور السياسي والمؤسساتي، تجمع فيها بين الخبرة المهنية والعمل التمثيلي.
من العمل الحزبي إلى المؤسسة التشريعية…
داخل حزب الاستقلال، تدرجت خيير في عدد من المسؤوليات التنظيمية، من العمل المحلي إلى الهيئات الوطنية، قبل التحاقها باللجنة التنفيذية للحزب سنة 2024. ولم يكن حضورها الحزبي منفصلًا عن مسارها الانتخابي، بل تزامن مع توسع مشاركتها في تدبير الشأن العام والترافع عن قضايا منطقتها.
دخلت مجلس النواب للمرة الأولى سنة 2021، عبر اللائحة الجهوية لبني ملال–خنيفرة، وشاركت خلال الولاية التشريعية 2021–2026 في لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إلى جانب مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة حول الشؤون الإفريقية.
وخلال تلك التجربة، ارتبط نشاطها بعدد من الملفات التي تهم المواطنين، من التعليم والصحة إلى البنيات التحتية والتكوين المهني، كما سجلت حضورًا في طرح الأسئلة البرلمانية والترافع عن قضايا التنمية المحلية.
انتخابات 2026… محطة عززت حضورها السياسي
في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، خاضت ماديحة خيير المنافسة في الدائرة المحلية لبني ملال، وتمكنت من تصدر نتائجها بحصولها على 21 ألفًا و384 صوتًا، متقدمة بفارق مهم عن منافسيها.
وقد مثّلت هذه النتيجة محطة لافتة في مسارها، إذ انتقلت من التمثيل عبر اللائحة الجهوية إلى الفوز المباشر في دائرة محلية، في منافسة انتخابية مباشرة. وربطت تصريحاتها هذا النجاح بالعمل الميداني والتواصل المستمر مع السكان وتتبع انشغالاتهم على امتداد سنوات.
وبصرف النظر عن القراءات السياسية لهذه النتيجة، فإنها شكلت عنصرًا مهمًا في تعزيز حضورها داخل الحزب والمؤسسة التشريعية، وفتحت أمامها باب مسؤولية جديدة.
رئاسة الفريق الاستقلالي… خطوة نحو مسؤولية أوسع
في 8 أكتوبر 2026، اختيرت ماديحة خيير رئيسةً للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، لتتولى تنسيق عمل الفريق النيابي خلال الولاية التشريعية الجديدة.
لم تكن هذه الخطوة منفصلة عن مسارها السابق؛ فقد اجتمعت فيها التجربة البرلمانية، والمسؤولية التنظيمية داخل حزب الاستقلال، والنتيجة الانتخابية التي حققتها في بني ملال. وأصبحت بذلك أمام مهمة تتطلب تنسيق المواقف، ومتابعة العمل التشريعي والرقابي، والتفاعل مع القضايا التي تشغل الرأي العام.
لكن رئاسة الفريق النيابي لم تكن المحطة الأخيرة في سلسلة المسؤوليات التي شهدها شهر أكتوبر، إذ سرعان ما جاء التعيين الحكومي لينقلها إلى مستوى آخر من تدبير الشأن العام.
16 أكتوبر 2026… الوصول إلى الحكومة وبداية الاختبار الحقيقي
مع تعيينها وزيرةً منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، دخلت ماديحة خيير مرحلة جديدة، تنتقل فيها من مناقشة السياسات العمومية والترافع بشأنها داخل البرلمان إلى تحمل مسؤولية تنفيذية في قطاع حيوي.
إنه قطاع تتجاوز رهاناته حدود المؤسسات ومناهج التكوين، ليصل إلى مستقبل الشباب المغربي، وقدرته على اكتساب المهارات المطلوبة، والولوج إلى سوق الشغل، وبناء استقلاله الاقتصادي والاجتماعي.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية المهمة الجديدة؛ فالتكوين المهني يحتاج إلى رؤية تربط التكوين الفعلي بحاجيات الاقتصاد، وتواكب التحولات التكنولوجية، وتمنح المتدربين فرصًا حقيقية لاكتساب الكفاءات التي يبحث عنها المشغلون. كما يحتاج إلى تقليص الفجوة بين الشهادات وفرص العمل، وتحسين جودة التكوين، وتوسيع إمكانات التأهيل أمام شباب المدن والمناطق القروية.
وبالنسبة إلى وزيرة راكمت تجربة مهنية في مؤسسات يرتبط بعضها بالتكوين المتخصص والتدبير، فإن التحدي يتمثل في توظيف هذا الرصيد ضمن رؤية أوسع تستجيب لحاجيات القطاع، وتترجم البرامج إلى نتائج ملموسة.
فالمواطن لا يقيس نجاح المسؤول بعدد المناصب التي تقلدها، وإنما بما يحققه من تغيير في الواقع؛ والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل لا ينتظر خطابًا عن أهمية التكوين بقدر ما ينتظر مسارًا واضحًا يقوده إلى مهنة، والأسرة التي تراهن على مستقبل أبنائها تنتظر منظومة تفتح أمامهم أبواب التأهيل والاستقرار.
مسار يستحق التوقف عنده… ومسؤولية تُقاس بالنتائج
إن قراءة مسار ماديحة خيير تكشف عن انتقال متدرج بين محطات مهنية وحزبية وبرلمانية، وصولًا إلى المسؤولية الحكومية. من قصبة تادلة إلى الإدارة، ومن العمل الحزبي إلى البرلمان، ومن قيادة الفريق النيابي إلى الحكومة، تتعدد المحطات، لكن ما يجمعها اليوم هو الاختبار الأكبر: ماذا ستضيف هذه التجربة إلى القطاع الذي أصبحت مسؤولة عنه؟
إن الوصول إلى الحكومة محطة مهمة في المسار السياسي، لكنه ليس نهاية الحكاية؛ بل بداية فصل جديد تُقاس قيمته بما يتحقق من إصلاحات، وما يُفتح من فرص، وما يُقدّم من حلول للتحديات القائمة.
هنيئًا لماديحة خيير هذه الثقة الملكية، مع أصدق المتمنيات بالتوفيق في مهمتها الجديدة. ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول سنوات الخبرة والتدرج إلى حصيلة ملموسة، تجعل من التكوين المهني رافعة حقيقية للتشغيل، ومن تأهيل الشباب استثمارًا في مستقبل المغرب.
