من المحال يتغير الحال

بقلم عبدالرحيم بخاش


من المحال أن يتغيّر الحال، ما دامت الوجوه السياسية هي ذاتها، والأحزاب هي ذاتها، واللاعبون أنفسهم لا يفعلون سوى تغيير القمصان كلما اقترب موسم الانتخابات. عندها تتحول الساحة السياسية إلى ما يشبه «الميركاتو» الرياضي: انتقالات بالجملة، تبديل للانتماءات، تحالفات تُعقد وتُفك، ووجوه تنتقل من هذا القميص إلى ذاك، وكأن الأمر يتعلق بانتقال لاعب بين الأندية، لا بمصير شعبٍ ووطن.
وفي هذا الميركاتو العجيب، قد يتحول من كان بالأمس ممثلاً فوق خشبة المسرح إلى ممثلٍ عن الشعب تحت قبة البرلمان، ومن لم يفتح كتاباً في اختصاصه يصبح بين ليلة وضحاها خبيراً، ومن لا يفقه في تدبير الشأن العام شيئاً قد يجد نفسه في موقعٍ يقرر في مصائر الناس. أما الكفاءة، فتظل واقفةً عند باب المشهد، تنتظر من يسمح لها بالدخول.
تتغير القمصان ولا يتغير اللاعبون، تتغير الشعارات ولا تتغير النتائج، وتتبدل المواقع بينما يبقى المواطن في المدرجات، لا يملك إلا أن يشاهد المباراة ذاتها منذ سنوات، باللاعبين أنفسهم، وبالنتيجة نفسها.
والأدهى أن بعض السياسيين يغيبون عن الناس سنوات، ثم يظهرون فجأة مع اقتراب الانتخابات، حاملين الوعود ذاتها بعبارات أكثر لمعاناً، وكأن ذاكرة المواطن تُصفّر كل خمس سنوات. لكن المواطن ليس سمكة؛ قد يصمت، لكنه يتذكر.
شبابٌ هاجروا بحثاً عن مستقبل، ومن لم يهاجر إلى الخارج هاجر من الواقع إلى الداخل: إلى المهرجانات والمواسم و«الشطيح والرديح»، وإلى فرجةٍ مؤقتة تنسيه واقعاً ثقيلاً، وإلى الخرافة حين تضيق أبواب العقل؛ شرب الماء الساخن، وأكل الشوك، وتقديم القرابين للأضرحة، ورجال المعجزات الذين يجدون في بؤس الناس سوقاً رائجة للوهم.
وفي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن معجزة، يكتفي بعض المسؤولين بصناعة الوعود.
التعليم يُصلح منذ سنوات، والصحة تُعالج بالخطابات، والشغل يُستحضر في كل موسم انتخابي، بينما المشاريع التي وُعد بها الناس لا تزال عالقةً في المسافة الطويلة بين المنبر والواقع.
أما الصحافة، فحين يصبح كل صائحٍ صحافياً، وكل طبّالٍ صاحب رأي، وكل مشهورٍ خبيراً في كل شيء، تضيع وظيفة الصحافة الحقيقية: أن تسأل، وأن تراقب، وأن تزعج من يملك القرار حين يستحق الإزعاج.
أيها السياسيون، كفى تدويراً للوجوه وتدويراً للوعود. الشعب لا يحتاج إلى «ميركاتو» جديد، بل إلى عقول جديدة، وكفاءات حقيقية، ومسؤولين يعرفون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن البرلمان ليس خشبةً أخرى للمسرح.
لقد سئم المواطن من تبديل القمصان.
سئم من الوجوه نفسها وهي تتحدث كل مرةٍ بلغةٍ جديدة.
وسئم من أن يصبح من كان يمثل على الخشبة ممثلاً عليه، ومن كان يجهل أبجديات السياسة خبيراً فيها، ومن كان لا يملك جواباً عن سؤالٍ بسيط وزيراً أو مسؤولاً عن ملفاتٍ أكبر من قدرته.
من المحال أن يتغيّر الحال، ما دام الميركاتو السياسي يغيّر القمصان ولا يغيّر اللاعبين، ويغيّر الشعارات ولا يغيّر الواقع.