بعد فتح مضيق هرمز: تهدئةٌ متأخرة وأسئلةٌ مبكرة حول كلفة الحرب وجدواها

أعلنت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام السفن التي ظلت عالقة في عرض البحر، في خطوة تزامنت مع مؤشرات تهدئة إقليمية أعقبت وقفًا لإطلاق النار في لبنان. بالتوازي، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن اتفاقًا “شبه نهائي” تم التوصل إليه مع طهران لإنهاء الحرب، بوساطة من باكستان.
الأسواق التقطت الإشارة سريعًا؛ إذ تراجع سعر برميل النفط بنحو 10% فور الإعلان عن استئناف الملاحة في هرمز، الشريان الذي يعبر منه جزء حيوي من إمدادات الطاقة العالمية. هذا التراجع الحاد عكس حجم القلق الذي كان يخيّم على التجارة والطاقة، ومدى حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب في هذا الممر البحري الضيق.
غير أن التهدئة، على أهميتها، تفتح بابًا أوسع للأسئلة: هل كان بالإمكان بلوغ هذه النتيجة قبل اتساع رقعة المواجهة؟ وما الكلفة البشرية والاقتصادية التي تراكمت قبل الوصول إلى لحظة التراجع والبحث عن تسوية؟
على المستوى الجيوسياسي، أعادت الأزمة التأكيد على حقيقة لطالما كانت ضمنيًا حاضرة في حسابات القوى الكبرى: قدرة إيران، بحكم موقعها الجغرافي وأدوات نفوذها، على التأثير المباشر في أمن الطاقة العالمي عندما تشعر بأن أمنها القومي مهدد. هذا الإدراك لا يغيّر موازين القوى فقط، بل يعيد ترتيب أولويات الردع والاحتواء والدبلوماسية في المنطقة.
في المقابل، أثارت الحرب نقاشًا واسعًا حول جدوى استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية معقدة. فالتجارب تُظهر أن النزاعات التي تُسوَّق باسم “الردع” قد تنتهي بتغذية سرديات التشدد، وتوسيع دوائر عدم الاستقرار، ورفع الفاتورة على المدنيين والاقتصادات الهشة، خصوصًا في الدول المستوردة للطاقة.
الولايات المتحدة وإسرائيل وجدتا نفسيهما في قلب هذا الجدل الدولي: هل حققت العمليات أهدافًا استراتيجية مستدامة، أم أن كلفتها الرمزية والسياسية فاقت مكاسبها التكتيكية؟ في المقابل، خرجت إيران من المواجهة مثخنة بالجراح لكنها محتفظة بأوراق ضغط مؤثرة، وهو ما قد يمنحها هامشًا تفاوضيًا أوسع في أي ترتيبات لاحقة.
أما الدول العربية، و منها المغرب فوجدت نفسها مرة أخرى في منطقة التأثر المباشر بتداعيات الصراع: من تقلبات أسعار الطاقة، إلى الضغوط الاقتصادية، إلى المخاطر الأمنية العابرة للحدود. وهي معادلة تتكرر كلما اشتعلت المنطقة، حيث تُقاس الخسائر غالبًا بحجم الأثر لا بميزان الربح والخسارة.
اللحظة الراهنة، إذن، ليست فقط لحظة تهدئة ميدانية، بل فرصة لمراجعة أعمق لخيارات إدارة الأزمات في الشرق الأوسط: كيف يمكن منع تحوّل الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط؟ وكيف تُعاد الأولوية للمسارات الدبلوماسية قبل أن تتراكم الأكلاف التي لا يمكن تعويضها؟
في النهاية، قد تُسجَّل إعادة فتح مضيق هرمز كتطور إيجابي للأسواق ولحركة التجارة العالمية، لكنها تظل أيضًا تذكيرًا بمدى هشاشة النظام الدولي أمام صدمات إقليمية، وبالحاجة الملحّة إلى مقاربات سياسية تقلّل كلفة الوصول إلى ما كان يمكن تحقيقه عبر التفاوض منذ البداية.