جدل الدعم الفلاحي وتموين السوق الداخلي : هل تراجع الدولة امتيازات كبار المنتجين؟


يشهد الرأي العام نقاشًا متزايدًا حول علاقة الدعم الفلاحي العمومي بتموين السوق الداخلي، خاصة في فترات ارتفاع أسعار بعض الخضر الأساسية. ويتساءل متابعون: إلى أي حد يمكن للدولة مراجعة الامتيازات التي استفاد منها فاعلون كبار إذا ظهر تعارض بين التصدير واحتياجات المستهلك المحلي؟ و
وفق الإطار التنظيمي المعمول به، تمنح برامج الدعم والاستثمار الفلاحي تحت إشراف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بناءً على دفاتر تحمّلات تحدد التزامات المستفيدين في ما يخص الإنتاج، التشغيل، واحترام الضوابط التقنية والبيئية. كما تبقى للدولة صلاحيات تنظيم التصدير والتسويق عند اضطرابات التموين أو تقلبات الأسعار، حمايةً للمصلحة العامة.
خبراء في السياسات العمومية يوضحون أن استرجاع الدعم أو سحب امتياز ليس قرارًا إداريًا بسيطًا، بل إجراء قانوني مشروط بثبوت الإخلال ببنود التعاقد أو استعمال الدعم في غير ما خُصص له. وفي المقابل، يظل من حق السلطات اتخاذ تدابير تنظيمية ظرفية لضمان تزويد السوق الوطني، مثل تقييد التصدير مؤقتًا أو فرض حصص للتموين الداخلي.
ويبرز في هذا السياق بُعدٌ اجتماعي واضح؛ إذ يرى مستهلكون أن المال العام الموجَّه للقطاع الفلاحي ينبغي أن ينعكس مباشرة على وفرة المنتوج بأسعار معقولة داخل البلاد، لا أن يرتبط أساسًا بأسواق التصدير. هذا الشعور يعيد طرح سؤال عدالة تصميم الدعم وربطه بشكل أوثق بخدمة السوق الوطنية وحماية الموارد، خصوصًا الماء والأراضي السقوية.
في المقابل، يشير فاعلون مهنيون إلى أهمية الحفاظ على استقرار مناخ الاستثمار واحترام الأمن القانوني، مؤكدين أن أي مراجعة للامتيازات ينبغي أن تتم عبر المساطر القانونية الواضحة تفاديًا للمنازعات.
خلاصة النقاش الدائر اليوم لا تتعلق فقط بإمكانية الاسترجاع بعد وقوع الإشكال، بل بكيفية بناء منظومة دعمٍ ذكية من البداية، تربط الامتيازات بتحقيق توازن مستدام بين التصدير، وتموين السوق الداخلي، وحماية الموارد الحيوية.