جريمة مقتل سائق « إندرايف » تعيد الجدل حول نشر صور المتهمين بين حق الرأي العام وقرينة البراءة


أعادت قضية مقتل الشاب ياسين، سائق النقل عبر تطبيق « إندرايف »، والتي هزت الرأي العام الوطني، إلى الواجهة النقاش القانوني والحقوقي المرتبط بمدى أحقية وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر صور الأشخاص المتابعين قضائياً قبل صدور أحكام نهائية في حقهم.
وخلال إحدى جلسات محكمة الاستئناف، عبر أفراد من أسرة الضحية عن استيائهم من ظهور المتابعين في القضية وهم يخفون وجوههم أثناء ولوجهم إلى المحكمة أو مغادرتها، معتبرين أن الرأي العام الذي تابع تفاصيل الملف منذ بدايته من حقه التعرف على هوية الأشخاص المتابعين في هذه القضية التي أثارت موجة واسعة من التعاطف والاستنكار.
غير أن القوانين الوطنية والمواثيق الدولية تنظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة، إذ تؤكد على مبدأ قرينة البراءة باعتباره أحد الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة. فالمادة 23 من الدستور المغربي تنص صراحة على أن « قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان »، وهو ما يعني أن أي شخص يبقى بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
كما يجرم القانون المغربي المساس بالحياة الخاصة للأفراد أو نشر معطيات وصور قد تؤدي إلى التشهير بالأشخاص قبل استنفاد جميع مراحل التقاضي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمتابعين ما زال القضاء لم يحسم بشكل نهائي في مسؤوليتهم الجنائية.
وعلى المستوى الدولي، ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضرورة احترام قرينة البراءة، كما تؤكد المبادئ الأممية المتعلقة باستقلال القضاء والمحاكمة العادلة على تجنب كل ما من شأنه التأثير على سير العدالة أو تكوين أحكام مسبقة لدى الرأي العام.
ويرى متخصصون في القانون أن التوازن بين حق المجتمع في المعلومة وحق المتهم في الحماية القانونية يظل من أكثر الإشكالات تعقيداً في القضايا الجنائية ذات الصدى الواسع. فبينما يطالب الرأي العام بمزيد من الشفافية وكشف هوية المتابعين في الجرائم الخطيرة، تشدد التشريعات الحديثة على أن نشر الصور والأسماء قبل صدور أحكام نهائية قد يؤدي إلى انتهاك الحقوق الأساسية للأشخاص، خاصة إذا انتهت المحاكمة بالبراءة أو بعدم كفاية الأدلة.
وفي المقابل، لا يمنع القانون وسائل الإعلام من مواكبة القضايا الجنائية وإطلاع المواطنين على مستجداتها، شريطة احترام أخلاقيات المهنة والضوابط القانونية، وفي مقدمتها عدم المساس بقرينة البراءة أو التأثير على مجريات التحقيق والمحاكمة.
وتبقى قضية مقتل الشاب ياسين نموذجاً بارزاً للتحدي القائم بين مطلب العدالة الذي تنشده أسرة الضحية والرأي العام، وبين الضمانات القانونية التي يكفلها القانون الوطني والمواثيق الدولية لجميع المتابعين أمام القضاء إلى حين صدور أحكام نهائية في حقهم.