
الحاج خالد عوفي
افتتحت العاصمة الروحية للمملكة المغربية، مدينة فاس، أبوابها التاريخية العريقة لتعلن عن انطلاق الدورة الـ29 لمهرجانها العالمي الشهير للموسيقى الروحية والعريقة لعام 2026. هذه الدورة لا تأتي فقط كجسر للتواصل الإنساني والروحي بين الشعوب، بل تحمل في طياتها التفاتة وفاء وعرفان استثنائية لصنّاع المجد العمراني والجمالي للحاضرة الإدريسية؛ كبار الحرفيين التقليديين المعروفين بـ « المعلمين ».
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبحضور جماهيري غفير وشخصيات ثقافية وفكرية من مختلف أنحاء العالم، تحولت فضاءات فاس العتيقة إلى مسارح كونية تلتقي فيها الروحانيات بالأنغام العابرة للحدود.
سهرة افتتاحية أسطورية: « انبثاق الروح من المادة »
شهدت ساحة « باب الماكينة » الأثرية سهرة افتتاحية مبهرة حملت عنوان « أنيما إكس ماتيريا – من السماء إلى الأرض » (Anima Ex Materia). العرض كان عبارة عن ملحمة بصرية وموسيقية ساحرة، غاصت في قلب الورش السرية للحرفيين من نحاسين، ودباغين، وزلايجية، ونجارين.
على إيقاع أضواء الفوانيس التقليدية، تحاورت الفنون الروحية للمغرب مع فرق موسيقية تقليدية وفنانين قدموا من الصين، والهند، وآسيا الوسطى، وكمبوديا، ومنطقة البلقان. وقد جسد العرض كيف يحوّل « المعلم » الفاسي عناصر الكون الأربعة (الماء، الأرض، الهواء، النار) إلى قطع فنية تنبض بالحياة والروح، مستلهمين إبداعهم من الهالة الروحية التي تحمي طوائفهم الحرفية عبر الأجيال.
أبرز ملامح وبرنامج دورة 2026:
تنوع كوني فريد: تشهد هذه الدورة مشاركة أزيد من 160 فناناً من مختلف القارات، يقدمون 18 عرضاً موسيقياً وفكرياً موزعة بين الطرب الروحي، والأناشيد الصوفية، وفنون آسيا التقليدية.
أبرز النجوم: يترقب عشاق الموسيقى الروحية الحفل الضخم للفنان العالمي سامي يوسف، الذي يواصل تقديم رؤيته الكونية المستلهمة من التأملات الصوفية، إلى جانب عروض فريدة لفرقة « ياساوي وكولانزاز » من كازاخستان، وثلة من الأصوات النسائية الرائدة من الشرق والغرب (مثل غادة شبير من لبنان، ونبيلة معان من المغرب، وكوشيكي شاكرابورتي من الهند)، بالإضافة إلى ليلة السماع الصوفي الكبرى « من فاس إلى قونية ».
أبعاد ثقافية وإنسانية
لم يعد مهرجان فاس مجرد حدث فني عابر، بل رسخ مكانته دولياً (وهو الحائز مؤخراً على جائزة « العطارد المجنح ») كمنصة لتعزيز قيم العيش المشترك، والحوار والتسامح بين الثقافات والشعوب. وفي دورة 2026، يثبت المهرجان أن حماية التراث اللامادي والمادي تقع على عاتق تلك الأيادي الماهرة التي تنقل المعرفة والسر الحرفي من جيل إلى جيل، لتبقى فاس دائماً منارة حية للروح والجمال.
