
المصطفى بحفيض
الكل يعلم ما آلت إليه واحات النخيل في مناطق الجنوب الشرقي للمملكة، ولا سيما بإقليم زاكورة، وقصر نصراط ليس إلا نموذجاً صارخاً على معاناة أكبر. إن المنطقة برمتها، من كتاوة وأولاد عمرو ولغلاض وبني سكوكن وبني حيون وادوافيل وقصر لكنازطة وآيت سفول وبني امحمد ودوار بوشعرة وزاوية سيدي يحيى وزاوية سيدي صالح وقصبة حماد الطاهر وخسوان، تستغيث اليوم بعد أن أنهكها العطش وهدد وجودها. لم تعد الواحات كما عهدناها، فقد جفّت العيون واندثرت الخطارات التي ظلت لقرون شريان الحياة، وباتت أشجار النخيل تموت واقفة تنتظر غيث السماء الذي أصبح السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى منها.
إن ما تعيشه هذه الربوع هو نتاج تراكم لثلاث كوارث كبرى. أولها الجفاف الذي ضرب المنطقة لسبع سنوات متتالية، حتى غدا وادي درعة الذي كان يروي الواحات مجرد مجرى جاف لا تجري فيه المياه إلا لماماً. وثانيها الاستنزاف المفرط للفرشة المائية بفعل الآبار العشوائية وانتشار الزراعات المستنزفة للماء وعلى رأسها فاكهة الدلاح التي تستهلك ما تستهلكه المئات من أشجار النخيل. وثالثها مرض البيوض الفتاك الذي يواصل قضمه لجذوع النخيل من الداخل دون رحمة. وقد ترتب عن ذلك كله تراجع مهول في إنتاج التمور تجاوز ستين في المائة في بعض الدواوير، وهجرة قسرية للأسر التي لم تعد تجد ما تقتات منه، فتحولت الواحة التي كانت جنة خضراء إلى أرض مقفرة تهددها الرمال.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو هل من منقذ لهذه الواحات قبل فوات الأوان. إن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، والبرامج المعلنة كغرس مليون نخلة ضمن استراتيجية الجيل الأخضر تبقى قاصرة ما لم يسبقها توفير الماء الذي هو أصل الحياة. إن سكان هذه المناطق يطالبون أولاً بإنشاء سدود تلية وبحيرات جبلية لحصاد مياه الأمطار الشحيحة ومنع ضياعها، وبالنظر جدياً في مشروع تحلية مياه البحر ونقلها إلى الواحات كحل استراتيجي بعيد المدى. كما يطالبون بوقف نزيف الفرشة المائية عبر منع زراعة الدلاح وتقنين حفر الآبار، وبالعودة إلى إحياء تقنية الخطارات التي أثبتت نجاعتها عبر التاريخ في تدبير الماء دون كلفة طاقية. وتبقى زراعة الأصناف المقاومة لمرض البيوض كصنف المجهول والنجدة خطوة مهمة لكنها غير كافية وحدها.
إن إنقاذ الواحات مسؤولية وطنية تتجاوز إمكانيات جمعية محلية أو جماعة ترابية، وتستدعي تدخلاً عاجلاً من الدولة عبر وزاراتها ومؤسساتها المعنية كوكالة الحوض المائي لدرعة واد نون ووزارة الفلاحة. كما تستدعي تضافر جهود أبناء المنطقة للترافع بصوت واحد عن حقهم في الحياة. فالواحة ليست مجرد نخيل وثمار، بل هي تاريخ وهوية ومنظومة بيئية واجتماعية متكاملة نسجها الأجداد على مدى ألف عام في مواجهة قساوة الصحراء. وإن موت الواحة يعني اندثار ذاكرة جماعية لا تعوض.
إن انتظار أمطار الخير يبقى الأمل الذي يتعلق به الجميع، غير أن الركون إلى انتظار السماء وحده لم يعد مقبولاً. لا بد من حلول آنية وعملية اليوم قبل الغد، لأن النخلة إذا ماتت لا تعود إلى الحياة من جديد.
