تاريخ رباط « تيط » وموسم مولاي عبد الله أمغار: بين أصالة الذاكرة الروحية وتحديات الظواهر الدخيلة

تُشكل منطقة « تيط الفطر » (مولاي عبد الله حالياً بمدينة الجديدة) إحدى أبرز المحطات التاريخية والدينية في الذاكرة المغربية. فقد ارتبط هذا الرباط الأثري بسلالة الشرفاء الأمغاريين، الذين جعلوا منه حصناً دينياً وجهادياً ومركزاً لإشعاع التصوف السني المعتدل منذ القرن الحادي عشر الميلادي.

وقد
تأسس رباط « تيط » على يد الشيخ أبي الفداء إسماعيل أمغار، واكتملت معالمه مع ابنه الشيخ عبد الله أمغار. وكان الرباط يتميز بموقعه الاستراتيجي على الشريط الساحلي لإقليم دكالة، مما جعله خط الدفاع الأول لمواجهة التهديدات والأطماع الأجنبية البحرية، فضلاً عن كونه منارة علمية لتعليم القرآن الكريم وفنون الفقه واللغة. و
مع مرور العقود تحول الضريح إلى مزار قاصديه من مختلف ربوع المملكة. ولتخليد هذه الذكرى، و استمرت القبائل الدكالية والمجاورة في تنظيم تجمع سنوي يُعرف اليوم بـ « موسم مولاي عبد الله أمغار ».

حيث
تطور هذا التجمع من موسم ديني صرف لختم السلك القرأنية والتواصل بين القبائل، ليصبح اليوم أكبر موسم شعبي وتراثي بالمغرب؛ حيث يجمع بين البعد الروحي المتمثل في المديح والسماع والاستغفار، والبعد التراثي المتمثل في عروض « التبوريدة » الصيد بالصقور، إلى جانب كونه محركاً اقتصادياً وتجارياً وثقافياً هاماُ للمنطقة .و
على الرغم من القيمة التاريخية والروحية العميقة لرباط « تيط »، تشهد فترات تنظيم الموسم في العقود الأخيرة بروز بعض الممارسات السلبية والدخيلة التي تسعى ممارسات أصحابها إلى مشهد يسيء لحرمة المكان وذاكرته، ويمكن تفكيك أسباب هذه الظاهرة في النقاط التالية،حيث
يعتمد البعض على استغلال الرمزية الروحية للولاة والصالحين لترويج خرافات وممارسات لاعلاقة لها بالدين أو بالتصوف الأمغاري الأصيل قائم على العلم والزهد.

وتُستغل المظاهر العفوية لـ « الزيارة » من طرف أصحاب

النفوس الضعيفة لممارسة الدجل والشعوذة والنصب على الزوار.كما
يستغل بعض الدخلاء التجمع الجماهيري الغفير (الذي يناهز مئات الآلاف سنوياً) لترويج بضائع غير مشروعة، أو ممارسة سلوكيات منافية للأخلاق العامة كترويج المخدرات والمسكرات، مستغلين حالة الازدحام وصعوبة التغطية الميدانية الشاملة في بعض الأماكن الهامشية لرقابياً.و
يسهم تدني المستوى الثقافي والوعي لدى فئات من الزوار في السقوط في فخ الطقوس العشوائية، مما يغطي على الجانب المشرق للموسم، ويُعطي الذريعة لبعض وسائل الإعلام أو المؤثرين لاختزال هذا الإرث الحضاري العريق في مشاهد معزولة تصوّر المكان كبؤرة للتخلف أو الانحراف.و
في عصر منصات التواصل الاجتماعي، يتم أحياناً تضخيم وحصر التغطيات في الظواهر السلبية بغرض حصد المشاهدات (البوز)، مما يسيء للذاكرة التاريخية للشيخ مولاي عبد الله أمغار ولجهود القائمين على تنظيم هذا الحدث الوطني الكبير.


إن ما شهده ويشهده ضريح وموسم مولاي عبد الله أمغار من سلوكيات دخيلة، كالشعوذة أو الانفلاتات الأخلاقية، لا يعكس بأي حال من الأحوال حقيقة هذا المزار الديني والجهادي الأصيل، بل هو نتاج ظواهر اجتماعية وثقافية تتطلب تظافر جهود السلطات المحلية، والشركات المدنية، والمؤسسات الدينية والإعلامية لحماية هذه الذاكرة الوطنية، وإعادة الرونق الروحي والحضاري لواحد من أهم المعالم المغربية الضاربة في عمق التاريخ.