
بقلم عبدالرحيم بخاش
كل عام، ما إن يُسدل الستار على موسم مولاي عبد الله، حتى نعود إلى المشهد نفسه: كوارث اجتماعية من شعوذة واعتداءات واغتصاب، وإلى جانبها كارثة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في بعض من اختاروا أن يجعلوا من الصحافة موسماً للارتزاق ومن المهرجانات سوقاً للابتزاز
المؤسف أن فئة من المتطفلين على المهنة أصبحت تتحدث بكل وقاحة عن « الجسم الصحفي »، وكأنها تمثل الصحافة المغربية، بينما هي في الحقيقة من أكثر من أساء إلى صورتها ومرّغ كرامتها في الوحل.
أي جسم صحفي هذا الذي تتحدثون عنه؟
هل هو جسم بلا تكوين، بلا ثقافة، بلا حد أدنى من الهندام الذي يليق بمهنة محترمة، وبلا معرفة بأبسط قواعدها؟ أم أنه ذلك الذي لا يتخرج أصحابه إلا من جامعة التخلويض والسنطيحة، ثم يعتقدون أن حمل ميكروفون أو فتح صفحة على مواقع التواصل يجعل منهم صحفيين؟
لقد كانت الصحافة مهنة اعتزاز؛ يدخلها الإنسان وهو يدرك أن القلم مسؤولية، وأن الكلمة أمانة، وأن احترام المهنة يبدأ من احترام صاحبها لنفسه. أما اليوم، فقد أصبح بعض هؤلاء يحوّلونها إلى مهنة ابتزاز مقنّع: حضور مناسبات، البحث عن ظرف، انتظار ألف درهم، ثم الحديث عن المهنية والاستقلالية وكأن التاريخ المهني يُقاس بعدد الدعوات والامتيازات
لا يا سادة
الصحافة ليست بطاقة تُعلّق في العنق، ولا ميكروفوناً يُرفع في المهرجانات، ولا صفحة إلكترونية تُفتح عند الحاجة. الصحافة معرفة، وأخلاق، ومسؤولية، وهيبة، واستقلال في القرار والكلمة
والأخطر أن هؤلاء لا يكتفون بتشويه أنفسهم، بل يختبئون خلف عبارة « الجسم الصحفي » ليوهموا الناس بأنهم يمثلون الجميع. والحقيقة أن الصحفيين المهنيين لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم؛ لأن تاريخهم وممارستهم وأخلاقهم هي التي تمنحهم الشرعية
لقد سرطنتم المشهد، ثم جئتم تتحدثون عن سلامة الجسم الصحفي
ومن حقنا أن نقولها بوضوح وقسوة: المهنة لا تُنقذها كثرة الميكروفونات، وإنما تُنقذها عملية فرز حقيقية بين الصحفي ومنتحل الصفة، بين المهني ومن جعل الإعلام وسيلة للتكسب، وبين من يحمل رسالة ومن يحمل فقط رغبة في الاستفادة
فالصحافة التي نعرفها لم تكن يوماً مهنة من لا مهنة له، ولن تكون كذلك
ومن لا يملك علماً يشرّفه، وسلوكاً يحفظ له كرامته، وأخلاقاً تمنعه من بيع صوته، فليبحث عن أي شيء آخر غير الصحافة؛ لأن هذه المهنة أكبر من أن تكون مطية للمتطفلين، وأشرف من أن تُختزل في ظرف مالي أو دعوة إلى مهرجان
لقد حان الوقت لكي يتوقف بعضهم عن الاختباء وراء اسم الصحافة، وأن يتحمل مسؤولية ما يفعله بها
فالصحافة لا تُدنَّس فقط بالكذب؛ أحياناً يكفي أن يدخلها من لا يستحقها حتى تصبح المهنة نفسها ضحية
فالصحافة التي كانت مصدر اعتزاز… أصبحت عند البعض وسيلة ضغط وابتزاز
والتي كانت مهنة الاستقصاء اصبحت مهنة الاسترزاق
