
المصطفى بحفيض
في الرابع عشر غشت من كل سنة يقف المغاربة وقفة وفاء وتذكر، ليجددوا عهدهم مع الوطن ومع تاريخ طويل من النضال والصمود. إنها ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979، المحطة التي توجت مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وأكدت أن الصحراء المغربية كانت وستبقى جزءا لا يتجزأ من الوطن.
لم تكن هذه الذكرى وليدة صدفة، بل جاءت ثمرة عمل دبلوماسي وسياسي متواصل، وامتداد طبيعي لروح المسيرة الخضراء التي جسدت أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب. فبعد أن عاد إقليم الساقية الحمراء إلى حضن الوطن، كان لا بد من استرجاع وادي الذهب ليكتمل العقد ويتوحد التراب من طنجة إلى الكويرة. وفي هذا اليوم بالتحديد وقع المغرب اتفاقية استرجاع الإقليم، لتنتهي بذلك صفحة من الانتظار وتفتح صفحة جديدة من البناء والتنمية.
إن ما يعطي لهذه المناسبة بعدا خاصا هو أنها ليست مجرد استرجاع أرض، بل هي استرجاع كرامة وتأكيد سيادة. هي رسالة واضحة للعالم بأن المغاربة متشبثون بأرضهم، متمسكون بحقهم التاريخي، ومستعدون للدفاع عنه بكل الوسائل. كما أنها مناسبة لاستحضار تضحيات الشهداء الذين رووا بدمائهم رمال الصحراء، ولتوجيه تحية إجلال لقواتنا المسلحة الملكية المرابطة على الحدود، الساهرة على أمن واستقرار الأقاليم الجنوبية.
اليوم وبعد مرور سنوات على هذه الذكرى، تغيرت ملامح الأقاليم الجنوبية بشكل كبير. تحولت العيون والداخلة إلى أقطاب اقتصادية واعدة، وشهدت أوراشا كبرى في البنية التحتية والطاقات المتجددة والاستثمار، في إطار نموذج تنموي جديد وضع الإنسان في صلب اهتماماته. لم يعد الحديث عن الصحراء حديث نزاع فقط، بل أصبح حديث تنمية وازدهار ومستقبل.
إن الاحتفاء بهذه الذكرى هو أيضا مناسبة لتربية الأجيال الجديدة على قيم الوطنية والوحدة. هي فرصة لنقول لأبنائنا إن الوطن لم يبن بالشعارات، بل بالتضحية والعمل والصبر. وإن مغربية الصحراء ليست موقفا ظرفيا، بل هي قناعة راسخة وتاريخ موثق وحاضر نعيشه كل يوم.
في الرابع عشر من غشت يتجدد الإيمان بأن الوحدة الترابية خط أحمر، وأن التلاحم بين الملك والشعب هو الضامن لبقاء المغرب قويا وموحدا. هي ذكرى انتصار، وذكرى أمل، وتجديد للبيعة على مواصلة المسيرة حتى يكتمل مشروع الوطن الكبير.
