
أعاد تقرير التلفزيون الإسباني الرسمي، عبر برنامجه الشهير « مانانيروس » ، تسليط الضوء على حساسية العلاقات الطاقية والاستراتيجية بين الرباط ومدريد. فتكليف وزارة الطاقة الإسبانية بإعداد جرد شامل للإمدادات الموجهة للمغرب، وخاصة الغاز والكهرباء والخدمات المرتبطة بها، يعكس رغبة مدريد في بناء « بنك أوراق ضغط » استعداداً لأي توترات مستقبلية محتملة، لا سيما المرتبطة بالملفات الحدودية كمدينة سبتة المحتلة.
هذا التحرك الاستباقي من الجانب الإسباني يفرض على المغرب – بمنظور صحفي ومهني يستشرف المستقبل – قراءة متأنية وبلورة استراتيجية استباقية محكمة لتحصين الأمن القومي طاقياً واقتصادياً، بعيداً عن منطق ردود الفعل الظرفية.و عليه
يجب أولا استكمال السيادة الطاقية المطلقة والتخلص من عقدة « الترانزيت »
الدرس الأبرز من التلويح الإسباني بأوراق الطاقة هو أن الاعتماد على البنى التحتية لدول الجوار في تأمين المواد الحيوية يشكل نقطة ضعف استراتيجية. ولمواجهة ذلك، يتوجب على بلادنا
الإسراع بإنجاز محطات الغاز المسال الوطنية ، وضع جدول زمني صارم لتفعيل مشاريع الموانئ الوطنية القادرة على استقبال سفن الغاز المسال وتفريغها مباشرة على أراضينا (مثل مشروع ميناء الجرف الأصفر أو المحطات المبرمجة)، بما يغني المملكة نهائياً عن الحاجة لخدمات التغويز أو النقل العابرة للحدود الإسبانية.و
تعزيز الربط الداخلي لشبكات الطاقة، بربط مراكز الإنتاج والاستهلاك بشبكات وطنية موحدة وذكية، تضمن مرونة توزيع الكهرباء وتخفيف الضغط في حالات الطوارئ القصوى. و كذلك
تفعيل مبدأ « المصالح المتبادلة » والورقة الاقتصادية الثقيلة، لأن
إسبانيا ليست بمنأى عن التداعيات الاقتصادية لأي تصعيد محتمل؛ فاستمرارها كشريك تجاري رئيسي للمغرب يفرض عليها أخذ كلفة قراراتها العدائية بعين الاعتبار. وفي هذا السياق، ينبغي للمغرب:
التذكير بكلفة التراجع عن الالتزامات الدولية، و التأكيد الدبلوماسي المستمر على أن استقرار سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية هو مصلحة أوروبية مشتركة ومحمية باتفاقيات ثنائية ودولية، وأن أي إخلال بها سيقوض مصداقية إسبانيا كبوابة طاقية إقليمية موثوقة.و هناك أيضا
استثمار ورقة التعاون الأمني والهجرة ، حيث تدرك مدريد جيداً أن التعاون المغربي في ضبط الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية والإرهاب يوفر استقراراً أمنياً كبيراً لإسبانيا وجنوب أوروبا. وأي تصعيد طاقي مجاني من الجانب الإسباني سيقابل حتماً بإعادة تقييم شامل لكلفة هذا التعاون الأمني الميداني.
يتوفر
المغرب اليوم على ريادة إقليمية واضحة في مجال الطاقات المتجددة (شمسية وريحية). ولمواجهة أي ضغوط محتملة، يتعين،
الرفع من نسب الادماج المحلي للطاقات الخضراء، من خلال تركيز الاستثمارات على تخزين الطاقة لضمان استقرار الشبكة الوطنية في أوقات الذروة أو الأزمات المفاجئة.و
تحقيق الاكتفاء الذاتي الصناعي الطاقي ، و ربط المشاريع الصناعية الكبرى، وخاصة الفوسفاط والصناعات التحويلية، بوحدات طاقة نظيفة مستقلة عن شبكات الغاز التقليدية.و هناك أيضا
الدبلوماسية الاستباقية والتعامل الإعلامي المهني،
بالتعاطي الإعلامي الهادئ ، و تفويض الجهات الرسمية والمختصة بالرد المدروس على البرامج التلفزيونية والتقارير الاستفزازية، وتفكيك سرديتها عبر لغة الأرقام والحقائق الاقتصادية التي تثبت أن المغرب شريك قوي لا يستهان به.
و كذلك تعميق التعاون الطاقي والاستثماري مع قوى دولية وأفريقية أخرى (مثل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي نيجيريا-المغرب)، وهو المشروع الاستراتيجي الكفيل بقلب المعادلة الجوسياسية للطاقة في المنطقة على المدى المتوسط والبعيد.
إن لجوء إسبانيا عبر إعلامها ومؤسساتها لاستعراض عضلاتها الطاقية يؤكد أن « دبلوماسية الأوراق الخفية » لم تفارق أجندة مدريد التقليدية. غير أن المغرب، بما راكمه من استقرار مؤسساتي وخبرة استراتيجية في إدارة أزماته الكبرى، قادر على تحويل هذه التحديات إلى حوافز إضافية لتسريع مسار سيادته الشاملة، لتصبح المملكة في المستقبل القريب قوة إقليمية منيعة لا تتأثر بهزات الحسابات السياسية الظرفية لجيرانها.

