
في خضم تحولات جيوسياسية عميقة تعيد رسم خارطة النفوذ العالمي، تبرز الصين وروسيا اليوم كقطبين أساسيين يجذبان انتباه الدول الساعية إلى الخروج من عباءة الهيمنة الأحادية والسياسات الغربية. ولم يعد السؤال المطروح في الدوائر السياسية يعتمد على ما إذا كانت بكين وموسكو تشكلان بديلًا محتملًا، بل أصبح محوره: إلى أي مدى تستطيع الدول العربية والإفريقية استثمار هذا الصراع الدولي لخدمة مصالحها الوطنية وتحقيق تنميتها المستقلة؟ حيث
تجسدت ملامح هذه المرحلة بدقة بالغة في المباحثات الاستراتيجية التي جمعت بين الرئيس الصيني « شي جين بينغ » والرئيس المصري « عبد الفتاح السيسي ». فالتعاون لم يعد محصوراً في الأطر التقليدية من بناء طرق أو توريد سلع استهلاكية، بل قفز نحو فضاءات التكنولوجيا المتقدمة؛ كالسيارات الكهربائية، الطاقة الخضراء، الاقتصاد الرقمي، تكنولوجيا الفضاء والزراعة الحديثة. و
هذا التقارب يعكس رؤية مشتركة تؤكد أن الشراكة مع العملاق الآسيوي لا تستهدف حل أزمات اليوم فحسب، بل تبني عوالم المستقبل لعقود قادمة. ومصر، بثقلها العربي والإفريقي، تقدم نموذجاً للدول الساعية لتنويع خياراتها الاستراتيجية بعيداً عن سياسة « القطب الواحد ». و
على الرغم من دقة وصف الصين بـ »الملاذ الاقتصادي والتكنولوجي »، فإن الأدق سياسياً هو اعتبارها « شريكاً استراتيجياً للتوازن » لا ملاذاً خيرياً. الصين تتبنى دبلوماسية « التنمية دون تدخل سياسي »، وهو ما يشكل طوق نجاة للدول النامية التي تعبت من اشتراطات صندوق النقد الدولي والوصاية السياسية الغربية المرتبطة غالباً بالدعم الأمريكي والمظلة الإسرائيلية في الشرق الأوسط. و
في المقابل، تقف روسيا في الجانب العسكري والأمني كدرع مهتم بتقويض الهيمنة الأمريكية مباشرة عبر بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. ومع التصعيد المستمر في الأزمات الإقليمية عجز الغرب عن إيجاد حلول عادلة لها – لا سيما في ظل الانحياز الأمريكي المطلق للسياسات الإسرائيلية – وجدت دول عديدة في المحور الروسي الصيني نافذة للتنفس ورفض الإملاءات. و مما
لا شك فيه أن الدول العربية والإفريقية تدرك تماماً حساسية الصراع الدائر بين المعسكر الغربي من جهة، والحلف الصيني-الروسي من جهة أخرى. ومن هنا تأتي سياسة « تنويع التحالفات » كاستراتيجية بقاء وتنمية، تتحدد معالمها في النقاط التالية:
التحرر الاقتصادي والمالي: تسعى دول مثل مصر والسعودية والإمارات وجنوب إفريقيا للانضمام إلى تكتكات مثل « بريكس » لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وإيجاد آليات تمويل بديلة تحمي اقتصادها من الهزات العالمية.
كما تشكل الشراكة مع الصين فرصة ذهبية لنقل المعرفة التقنية والصناعات النظيفة، شريطة وجود رؤية محلية واضحة تمنع تحول هذه الدول إلى مجرد أسواق استهلاكية جديدة.
و يمنح التقارب مع موسكو وبكين هامش مناورة أكبر للدول النامية في رفض الضغوط الغربية، وفرض أجنداتها الخاصة في قضايا الأمن الإقليمي.
إن الاندفاع نحو الشراكة مع الصين وروسيا هو إعادة تموضع طبيعية في عالم يولد من رحم المخاض والاضطرابات. الكاسب الأكبر في هذه المعادلة ليس من ينحاز كلياً لقطب على حساب آخر، بل من يمتلك القدرة على نسج شبكة مصالح مرنة تخدم مستقبله وشعوبه، تماماً كما تبني القاهرة وبكين اليوم شراكة للمستقبل لا للواقع الراهن فقط.
