
يواجه المستهلك المغربي اليوم معادلة اقتصادية وصحية صعبة، تتمثل في الارتفاع المستمر لكلفة التزود بمياه الشرب المعبأة، في وقت تصنف فيه أسعار هذه المادة Vital الحيوية ضمن الأعلى مقارنة بالقدرة الشرائية الوطنية وحجم الدخل الفردي، مقارنة بدول حوض البحر الأبيض المتوسط والأوروبية. و
تشير معطيات مقارنة لأسعار المياه المعبأة بين السوق الوطنية وبعض الأسواق الأوروبية مثل فرنسا وإسبانيا إلى وجود تفاوت لافت؛ فبينما يباع لتر ونصف اللتر من الماء العادي في الأسواق الأوروبية بما يتراوح بين 0.20 و 0.35 يورو (ما يعادل 2.2 إلى 3.8 دراهم)، وتصل أسعار العبوات من حجم 5 لترات إلى 1.2 يورو، يستقر متوسط سعر القارورة (1.5 لتر) بالمغرب بين 5 و 6 دراهم، وتتجاوز سعة 5 لترات حاجز 13 درهماً.
هذه الفجوة لا تتوقف عند حدود السعر الاسمي، بل تمتد إلى تأثيرها على القفة اليومية للمواطن؛ حيث يُعتبر إنفاق الأسرة المغربية المتوسطة لما بين 300 و 600 درهم شهرياً اقتناءً للمياه المعبأة عبئاً مالياً ثقيلاً، في حين لا تتجاوز هذه الكلفة نسبة ضئيلة جداً من دخل المواطن الأوروبي.
ويرجع خبراء اقتصاديون استمرار هذه المستويات السعرية المرتفعة إلى طبيعة هيكلة السوق المحلي، حيث يتسم القطاع بتركيز عالٍ (Oligopoly) تسيطر فيه شركات معدودة على حصص هيمنة في التوزيع واستغلال المنابع المائية الطبيعية.
وفضلاً عن ذلك، يخضع القطاع لأحكام قانون حرية الأسعار والمنافسة، مما يعني غياب أي تدخّل حكومي مباشر لتسقيف الأسعار أو دعمها، تاركاً تحديد السعر النهائي لمنطق العرض والطلب وهواكش الربح للموزعين، التي يرى العديد من الفاعلين في حماية المستهلك أنها تظل مرتفعة مقارنة بالتكلفة الحقيقية للتعبئة والبلاستيك والنقل. و
من جهة أخرى، يظل اللجوء المكثف للمياه المعبأة نتيجة مباشرة لتراجع ثقة المستهلكين في جودة مياه الصنبور ببعض المدن والمناطق. وعلى الرغم من أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وشركات التدبير التفويضي يؤكدون مطابقة المياه العمومية للمعايير البكتيرية والصحية وخضوعها لمعالجة بالكلور، إلا أن تغير المذاق، وارتفاع نسبة الملوحة أو ترسبات الكلس، إلى جانب تهالك بعض شبكات التوزيع القديمة، يدفع فئات واسعة من المواطنين إلى الهرب نحو المياه المعبأة.
وفي المقابل، تحوم تساؤلات حول السلامة الصحية للمياه المعبأة نفسها خلال سلاسل التوريد. ورغم الرقابة الصارمة التي يفرضها المكتب الوطني للالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) داخل وحدات الإنتاج والمنابع، فإن ظروف النقل والتخزين — لا سيما تعرض العبوات البلاستيكية لأشعة الشمس المباشرة أمام المحلات وفي شاحنات التوزيع — تطرح مخاطر تلوث كيميائي وتغير في جودة المياه قبل وصولها للمستهلك. و
أمام هذا الوضع، تتعالى أصوات الفاعلين الحقوقيين والجمعويين للمطالبة بتدخل مجلس المنافسة لافتتاح بحث في مدى وجود ممارسات منافية للمنافسة أو توافقات حول الأسعار، إلى جانب دعوات لتشديد الرقابة على شروط التخزين والنقل، وتسريع برامج تحديث شبكات المياه العمومية وتحلية مياه البحر لضمان توفير ماء شروب ذي جودة عالية ومذاق مقبول بكلفة في متناول جميع الفئات الاجتماعية.

