بين طموح الاستثمار وضغوط المعيشة: قراءة في توزيع الموارد العمومية بالمغرب

يزخر المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المغرب بنقاشات محتدمة حول طبيعة الأولويات التنموية، حيث تتجه الأنظار نحو الحجم المالي المخصص للمشاريع الاستراتيجية والتسهيلات الاستثمارية من جهة، ومستوى وتيرة ومردودية برامج الحماية الاجتماعية وتطوير القوة الشرائية من جهة أخرى.

ويسعى هذا التقرير إلى وضع المعطيات الموازينتية والاستثمارية الأخيرة في إطارها الرقمي والموضوعي الصحيح، بعيداً عن التهويل أو التقليل.

وتوضح التقارير الرسمية الصادرة عن الميزانية العامة وبرامج الاستثمار الاستراتيجي توجه الدولة نحو إنجاز أشارس تنموية كبرى ومشاريع هيكلية،و

تشير تقارير وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن حجم النفقات الجبائية (الإعفاءات والتحفيزات) يبلغ سنوياً ما بين 28 و33 مليار درهم. وتستفيد من هذه التحفيزات قطاعات متعددة تتوزع بين الفلاحة، السكن الاجتماعي، والشركات الكبرى والصغرى بهدف تشجيع الاستثمار وتوفير فرص الشغل.كما

وُجهت اعتمادات مالية ومخططات دعم للقطاع الفلاحي لمواجهة آثار الجفاف وتضخم المدخلات، ومنها برامج إعادة هيكلة قطاع الماشية والسلاسل الحيوانية بغلاف مالي مرصود قدره 13 مليار درهم.

وتقدر الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتأهيل الموانئ، شبكة القطارات السريعة (TGV)، والمطارات والملاعب بنحو 200 مليار درهم؛ وهي استثمارات تنموية هيكلية مبرمجة على مدى عدة سنوات، تتزامن مع تنظيم التظاهرة الكروية الكبرى ولا تقتصر عليها فقط.و

أعلنت الشركة الوطنية عن مخطط استثماري طموح يمتد حتى عام 2037 بميزانية تقديرية تصل إلى 250 مليار درهم لمضاعفة أسطولها ليصل إلى 200 طائرة.

وتخصص لجهة الدار البيضاء الكبرى ميزانيات استثمارية وتنموية شاملة تعادل نحو 92 مليار درهم ضمن برنامجا التنموي الجهوي، ويهدف للتأهيل الحضري والبنية التحتية وليس حصراً لمباريات كأس العالم.

كما خصصت الدولة وعاء عقارياً مبدئياً يصل إلى مليون هكتار من الأراضي العمومية لاستقطاب المستثمرين في قطاع الطاقة النظيفة. يُعد مبلغ 44 مليار درهم رقماً تاريخياً مرتبطاً بتقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تقييم إصلاح التعليم (2008-2012)، وهو ملف يخضع للمتابعة التقييمية والرقابية وليس نفقة جارية في الميزانية الحالية.

وعلى الجانب الاجتماعي، تعتمد الحكومة مقاربة تدريجية في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، تُراعى فيها الإكراهات المالية للوزانات العمومية:

ويمنح البرنامج تعويضات شهرية تتراوح بحسب تركيب الأسرة لتصل في حدودها الدنيا للأسر المستحقة إلى 500 درهم وتتدرج لتصل إلى 1000 درهم أو أكثر للأسر متعددة الأطفال أو ذات الإعاقة، وفق معايير المؤشر الاجتماعي تتجه السياسات الجبائية نحو التخفيض التدريجي للضريبة على الأجور؛ علماً أن الأجراء يساهمون بالحصة الأكبر من الضريبة على الدخل، في حين تشكل الضريبة على الشركات (IS) والضريبة على القيمة المضافة (TVA) الموارد الأساسية لمداخيل الدولة الضريبية. يتواصل العمل على رفع الحد الأدنى للمعاشات تدريجياً ليتلاءم مع خطط العدالة الاجتماعية، مع استهداف رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم لمن استوفوا الشروط القانونية وسنوات الخدمة.

في إطار الإجراءات الموجهة لفئات ذوي الحقوق والأرامل، تم رفع الحد الأدنى لمعاشات التضامن والتقاعد لفائدة فئات واسعة لتصل إلى 1700 درهم شهرياً، وهي خطوة استهدفت مئات الآلاف من المستفيدين والأرامل مع يتاماهن.

ويرى خبراء اقتصاديون واجتماعيون أنه على الرغم من أهمية هذه المبادرات في تقديم شبكة أمان اجتماعي أولية، إلا أن تسارع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف السكن، التغذية، والمستلزمات الأساسية، يستوجب مواصلة مراجعة هذه التعويضات وضمان ملاءمتها الواقعية للقدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة.