رئاسة الأندية الرياضية.. مسؤولية ثقيلة أم واجهة للنفوذ والمصالح؟

المصطفى أجنيبي
حين تتعدد الانشغالات، وتتراجع النتائج، يصبح السؤال مشروعاً: هل يكفي أن يجلس المرء على كرسي الرئاسة ليكون قادراً على قيادة نادٍ بحجم تطلعات جماهيره؟
لم تعد رئاسة الأندية الرياضية مجرد منصب اعتباري يمنح صاحبه الحضور داخل المشهد الرياضي، بل أصبحت مسؤولية مركبة تتطلب الوقت، والكفاءة، والحضور المستمر، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة. فالنادي ليس صورة تذكارية ولا اسماً يزين واجهة المؤسسات، وإنما منظومة متكاملة تحتاج إلى قيادة متفرغة، ورؤية واضحة، وبرنامج قابل للتنفيذ والمحاسبة.
وتزداد هذه المسؤولية تعقيداً عندما يكون رئيس النادي منشغلاً بمهام سياسية أو برلمانية أو حكومية أو مهنية أخرى. وهنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق أي شخص في ممارسة مسؤوليات متعددة في حدود القانون، بل بطرح سؤال جوهري: هل يستطيع المسؤول أن يمنح النادي ما يستحقه من وقت واهتمام، إذا كانت التزاماته الأخرى تستنزف جزءاً كبيراً من يومه؟
فكرة القدم الحديثة لم تعد تُدار بالاجتماعات المتباعدة أو القرارات الارتجالية، بل بمنظومة احترافية تشمل التخطيط المالي، والتعاقدات، والتكوين، والتسويق، والتواصل، وتدبير الأزمات، ومراقبة الأداء التقني والإداري. وكل خلل في حلقة من هذه الحلقات قد ينعكس على استقرار الفريق ونتائجه، مهما كانت قيمة لاعبيه أو مكانته التاريخية.
من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟
عندما تتوالى النتائج السلبية، تتجه الأنظار غالباً إلى المدرب، وقد يصبح أول ضحية للضغط الجماهيري. لكن تغيير المدرب لا يعالج بالضرورة أصل الأزمة، خصوصاً إذا كانت الاختلالات مرتبطة بانتدابات غير موفقة، أو غياب الانسجام بين الإدارة والطاقم التقني، أو ضعف التخطيط الرياضي والمالي.
فالمدير الرياضي مسؤول عن بناء مشروع كروي متكامل، واختيار العناصر التي تناسب هوية النادي واحتياجاته. والمدرب مسؤول عن توظيف المجموعة وإعدادها تكتيكياً وبدنياً. أما الرئيس والمكتب المسير، فتقع على عاتقهما مسؤولية الحكامة، وتوفير شروط العمل، ومراقبة تنفيذ المشروع، واتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة للنادي.
ولا يمكن إغفال دور المنخرطين، الذين لا تقتصر مسؤوليتهم على الحضور خلال الجموع العامة أو المشاركة في اختيار الرئيس، بل تمتد إلى تقييم البرامج، ومتابعة الحصيلة، والمطالبة بالشفافية والمحاسبة.
الجمهور يدفع الثمن.. فمن ينصفه؟
في نهاية المطاف، يبقى الجمهور الحلقة الأكثر ارتباطاً بالنادي، والأكثر تأثراً بتقلباته. فهو الذي يقتطع من ميزانيته المحدودة لشراء التذاكر، ويتحمل عناء التنقل، ويضحي بوقته وراحته، ويظل وفياً للألوان حتى في أحلك الظروف.
ومع ذلك، يجد نفسه أحياناً مطالباً بالصبر أمام نتائج لا ترقى إلى تطلعاته، وانتدابات تثير التساؤلات، وقرارات لا يجد لها تفسيراً مقنعاً.
ومن حق هذا الجمهور أن يسأل، وأن يطالب بالتوضيح، وأن يعرف أين تُصرف الأموال، وكيف تُتخذ القرارات، وما الأهداف المحددة لكل مرحلة. فالتشجيع ليس شيكاً على بياض، والانتماء إلى النادي لا يعني التنازل عن حق المساءلة.
الرئاسة ليست وجاهة.. بل التزام يومي
إن المسؤولية الحقيقية لرئيس النادي لا تقاس بعدد الصور التي يظهر فيها، ولا بالمناصب التي يشغلها خارج أسوار الفريق، بل بقدرته على بناء مؤسسة مستقرة، وتحديد الصلاحيات، واختيار الكفاءات، وربط القرارات بالنتائج.
وإذا كانت القوانين تسمح بتعدد المسؤوليات في بعض الحالات، فإن الحكامة الجيدة تفرض على كل مسؤول أن يقيّم قدرته الفعلية على الوفاء بالتزاماته، وألا يتحول تعدد المهام إلى مبرر للتأخر أو ضعف المتابعة.
فالأندية التي تطمح إلى الاحتراف لا تحتاج إلى رئيس حاضر بالاسم فقط، بل إلى مشروع واضح، وفريق عمل مؤهل، ومحاسبة دورية، واستعداد للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
الخلاصة: ليس العيب أن يتولى المسؤول أكثر من مهمة، وإنما أن تصبح كثرة المهام على حساب المسؤولية الأساسية. فالرئاسة تكليف قبل أن تكون تشريفاً، ونجاح النادي لا يصنعه كرسي الرئيس وحده، بل تصنعه رؤية واضحة، وقرارات مسؤولة، ومؤسسة تعمل من أجل الفريق وجمهوره، لا من أجل الأشخاص.