
تتجه الساحة السياسية والإعلامية الوطنية نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد، تتجاوز حدود النقاش البرلماني والبرامجي لتستقر في قلب المشهد الرقمي والإذاعي، عبر تسخير الملفات وتفجير السجالات الإعلامية بين القوى السياسية المتنافسة.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن إعادة رسم خريطة المواقع بين الأغلبية والمعارضة غالباً ما ترافقها ظاهرة « التنقيط الإعلامي » وإخراج ملفات كان يُسكت عنها خلال فترات التوافق والتحالف الإستراتيجي. ويأتي هذا التحول ليبرز استخدام الأذرع الإعلامية والمستفيدين من قنوات الدعم والمصالح كخطوط دفاع وهجوم أفقية تستهدف إضعاف الخصوم وتجريدهم من المصداقية الفكرية والشعبية.
في هذا السياق، يطرح المواطنين تساؤلات حيوية حول حدود الفاصل بين « الصحافة الاستقصائية الكاشفة للفساد » وبين « التصفيات الحزبية الموجهة ». فالاعتماد على تسريب وثائق أو إعادة إحياء ملفات شبهات الحكامة في توقيتات سياسية حاسمة، يُفهم في أدبيات التنافس الحزبي على أنه محاولة لحصر الطرف المقابل في موقع الدفاع الدائم وإشغاله بالصراعات الجانبية عن أداء دوره التنفيذي أو الرقابي.
وعلى الجانب الآخر، ينبه خبراء في أخلاقيات المهنة إلى أن خطورة هذا الانزلاق تتمثل في إقحام الإعلام في صراعات « الريع والامتيازات »، مما يفقد المنصات الإعلامية حيادها ومصداقيتها أمام الرأي العام. فالصحافة المهنية مطالبة بالتدقيق والبحث المستقل بعيداً عن أسلوب « التوجيه والدفع بالملفات »، مع الالتزام بالشفافية وإعطاء حق الرد مكفولاً لجميع الأطراف المعنية دون اصطفاف.
وتبقى الأيام القادمة كفيلة بإظهار مدى قدرة الفاعلين السياسيين والإعلاميين على الالتزام بقواعد المنافسة الشريفة، والرقي بالنقاش العمومي إلى مستوى مناقشة السياسات العمومية والحلول الاقتصادية، بدلاً من الارتهان لسجالات الاتهامات المتبادلة والحروب بالوكالة.
