
تطرح نقاشات الراهن الإعلامي بالمغرب أسئلة ملحة حول حدود الدور المنوط بالإعلام الوطني — بشقيه العمومي والخاص — في التعاطي مع المؤسسة الملكية ونظام « المخزن » كظاهرة سياسية وثقافية مميزة. ففي الوقت الذي يستغرق فيه جزء من الإعلام غير الرسمي في ملاحقة الإثارة وتفاصيل الهامش، ويكتفي فيه الإعلام الرسمي بتقديم المادة الخبرية التقريرية الكلاسيكية، يبرز غياب شبه تام للبرامج التحليلية التفكيكية التي تقارب طقوس الحكم وأبعادها الرمزية والتاريخي،

و غالباً ما تُختزل مقولة « المخزن » في المخيال العام أو النقاش السطحي ضمن قوالب جاهزة تُصوره كبنية سلبيّة مطلقة، مغفلةً كونه نظام حكم متجذراً في التاريخ، يمتلك مقومات قوة ونقاط ضعف شأنه في ذلك شأن كافة الأنظمة السياسية عبر العالم. إن المقاربة الأكاديمية والموضوعية تقتضي الانتقال من منطق الإدانة أو التمجيد إلى منطق « الفهم والتفكيك »، وهو الدور الذي يجب أن تضطلع به وسائل الإعلام عبر استضافة باحثين ومتخصصين في علم الاجتماع السياسي والسيمولوجيا التاريخية.

كما تحمل التفاصيل الدقيقة للطقوس والبروتوكولات الملكية دلالات ثاقبة تشكل جزءاً من هوية الدولة وعراقتها، والتي تستحق القراءة والتحليل للمواطن؛ ومن أبرزها:

أن ظهور الجلالة في مناسبات معينة راكباً سيارة تاريخية يعود صنعها إلى منتصف القرن الماضي، أو حرصه على ارتداء الجلباب الزعفراني والطربوش الفاسي، ليست مجرد خيارات جمالية عابرة، بل هي رسائل بصرية تُرسخ استمرارية الدولة وتُربط الحاضر بالذاكرة التاريخية.

و يشكل افتتاح الدورة البرلمانية لوحة متكاملة من الرموز؛ بدءاً من فرض الزي المغربي الأصيل (الشاشية والجلباب الأبيض) للبرلمانيين للتمييز بين الأناقة الرسمية وهيبة المؤسسة الملكية، وصولاً إلى اختيار آيات قرآنية محددة ترسم المرجعية الأخلاقية والروحية للدولة.

حيث
تطرح المقارنة بين البروتوكول المغربي والملكيات العريقة الأخرى — كالملكية البريطانية — أسئلة علمية شيقة. فبينما يُمنع ملك بريطانيا عرفاً من دخول مجلس العموم، يحضر الملك بالمغرب إلى قلب البرلمان ليلقي خطاباً يُعبر عن رؤية الدولة والتوجهات الاستراتيجية العليا، مما يعكس طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يجمع بين الأصالة والممارسة الدستورية الخاصة.

إن فتح مثل هذه النقاشات الأكاديمية عبر شاشات الإعلام والمنصات الصحفية لا يهدف فقط إلى ملء الفراغ الإعلامي الحاصل، بل يمتد إلى تعزيز « الثقافة السياسية » لدى المواطن المغربي. فهمُ الأبعاد الثقافية، التاريخية، والرمزية لنظام الحكم يمنح المتابع قدرة أكبر على استيعاب عراقة مؤسسات بلاده وخصوصيتها ضمن خريطة الأنظمة السياسية العالمية.
إن الرهان اليوم على إعلام ناضج يستطيع الخروج من بؤرة « البوز » والسطحية في القطاع الخاص، ورتابة التغطيات التقليدية في القطاع العمومي، نحو صناعة محتوى تحليلي عميق يُصالح المشاهد مع تاريخه، ويفكك رموز حاضره بأسلوب علمي وممتع في الآن ذاته.

