
أصبحنا نعيش في عالم تعلو فيه الأصوات المبحوحة بالغناء على أصوات العقول المفكرة، وتُقدَّم فيه الإبهار على الإنجاز. هذا التوجه العالمي، الذي لا يقتصر على دولة واحدة، بات يشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل الأمم. إنها ظاهرة مؤسفة، حيث يتضاءل فيها دور العلم والبحث والفكر أمام سطوة الترفيه، وتتحول المجتمعات إلى مجرد مستهلكين للضحكات والرقصات بدلاً من أن تكون منتجة للمعرفة والإبداع،و
المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا التوجه يُموَّل ويُروَّج له بضخامة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي تتنافس فيه المؤسسات العامة والخاصة على دعم مهرجانات الغناء والرقص بمليارات السنتيمات، يظل العلماء والمفكرون والباحثون في الظل، يصارعون من أجل الحصول على دعم بسيط لمشاريعهم التي قد تغير وجه العالم. أصبح من الطبيعي أن يُدعم فنان بآلاف الإشهارات، بينما لا يجد داعية أو مفكر من يدعم نشاطه حتى ولو كان بسيطاً،إنها
استراتيجية واضحة لتخدير الوعي وتسطيح الفكر. عندما يتدخل مسؤولون كبار لتسهيل سفر فنانة، بينما لا يُلتفت إلى عالم مغربي قد يغير باختراعه حياة ملايين المرضى، فإن الرسالة تكون واضحة: الأولوية ليست للعلم، ولا للاختراع، بل للترفيه الذي ينسي الناس همومهم ويشتت انتباههم عن قضاياهم الحقيقية، كما أن
هذا التفاوت لا يقتصر على الدعم المادي، بل يمتد إلى الاهتمام الإعلامي. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الصحافة لتغطية أدق تفاصيل حياة المشاهير من الفنانين، نادراً ما يتم تسليط الضوء على إنجازات العلماء والمفكرين الذين يرفعون راية بلادهم في المحافل الدولية. إن الاهتمام المبالغ فيه بقضية فنان، في مقابل التجاهل التام لجهود علماء مغاربة يُصنَّفون ضمن الأفضل عالمياً، هو مؤشر خطير على تراجع أولوياتنا، لهذا
فإن دور الترفيه في حياة الشعوب لا يمكن إنكاره، لكن أن يتحول إلى الأولوية القصوى، وأن يطغى على كل ما عداه، فهذا أمر لا يمكن السكوت عنه. إنه توجه يهدد بخلق أجيال تائهة، بعيدة عن الإبداع والتفكير، ومهتمة فقط بالمظاهر والأصوات الصاخبة. هذا التوجه يجعل الشعوب فريسة سهلة للمؤثرات الخارجية، ويجعلها عاجزة عن التقدم الحقيقي. إنه نعي لمستقبل مشرق كان يمكن أن يبنى على أساس العلم والمعرفة.
