السلوك الفردي إلى النظام العام: قصة دول تقدمت بصرامة القانون

كثيراً ما نتفاخر بما أنجزناه من صروح معمارية ومشاريع عملاقة. نتباهى بالملاعب الحديثة، والمطارات الضخمة، والمدن الذكية، ونرى فيها دليلاً على تقدمنا وتطورنا. ولكن، هل هذه المنشآت وحدها كافية لتعكس صورة حضارية حقيقية؟
ما نراه اليوم من سلوكيات فردية في المناسبات الكبرى يطرح تساؤلاً جوهرياً ،، ما قيمة بناء مركب رياضي ضخم مثل مركب الأمير مولاي عبد الله أو تنظيم حدث جماهيري كبرى، إذا كان رواده لا يملكون أبسط مقومات النظافة والاحترام للمكان العام؟ وما فائدة الاستمتاع بانتصار رياضي إذا كانت النتيجة هي ترك أكوام من القمامة في المدرجات والشوارع؟ إن مشهد مخلفات الجماهير بعد أي تجمع جماهيري، سواء كان رياضياً أو فنياً، يذكرنا بحقيقة مرة: لقد أولينا اهتماماً كبيراً لبناء الحجر، وأهملنا بناء البشر،
إن الحضارة الحقيقية لا تقاس فقط بارتفاع مبانيها أو ضخامة بنيتها التحتية، بل تقاس بمدى تحضر أفرادها. الأخلاق والقيم هي اللبنة الأساسية التي تُبنى عليها الأمم. عندما يحرص الفرد على نظافة محيطه، ويحترم القوانين، ويُحسن التعامل مع الآخرين، فإنه بذلك يساهم في بناء مجتمع قوي ومترابط. هذه السلوكيات هي انعكاس لقيمنا الدينية والإنسانية، فديننا الحنيف يدعو إلى النظافة، وحسن الخلق، واحترام الغير، وهي قيم أساسية في أي مجتمع متحضر.
إن الاستثمار في الإنسان يجب أن يسبق أي استثمار في البنية التحتية. وهذا لا يعني التوقف عن بناء المشاريع، بل يعني أن نسير في كلا المسارين بالتوازي، مع إعطاء الأولوية للتوعية والتنشئة الصحيحة. علينا أن نغرس في أجيالنا الجديدة قيم المسؤولية الاجتماعية، واحترام البيئة، والوعي بالملك العام. تبدأ هذه العملية من المنزل والمدرسة، وتستمر في الشارع والمؤسسات العامة، وصولاً إلى الإعلام الذي يلعب دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجماعي ، وانتهاءا بغرامات مرتفعة لترغم من لا يريد التعلم و تطبيق القوانين ،ليفعل ذلك رغما عنه ،و
إذا أردنا أن نحقق تقدماً حقيقياً ومستداماً، يجب أن ندرك أن الإنسان هو المحرك الأساسي لكل تطور، و إن بناء منشآت حديثة هو خطوة مهمة، لكن بناء إنسان واعٍ ومتحضر هو أساس كل نهضة. فلنبدأ بأنفسنا، ولنكن قدوة في احترام الأماكن العامة، ولنتعاون جميعاً على بناء جيل يرى في نظافة وطنه واحترام ممتلكاته العامة جزءاً لا يتجزأ من هويته الحضارية. فالحضارة ليست أبراجاً عالية، بل هي سلوك يومي، وعقلية متحضرة، وروح مسؤولة.