المنتخب التونسي : أزمة منظومة لا تُحلّ بتغيير المدربين

يعيش المنتخب التونسي لكرة القدم منذ سنوات على وقع نتائج متذبذبة وأداء لا يرقى إلى طموحات جماهيره، في وقت تتكرر فيه سيناريوهات تغيير المدربين دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على المسار العام لـ“نسور قرطاج”. وهو ما يطرح بإلحاح سؤالًا جوهريًا: هل تكمن الأزمة في المدرب، أم أن الخلل أعمق ومرتبط بالمنظومة الكروية ككل؟
لقد بيّنت التجربة أن تحميل المسؤولية للمدرب وحده بات خيارًا سهلًا، لكنه غير كافٍ لتفسير الإخفاقات المتكررة. فالمدرب يشتغل داخل إطار إداري وتنظيمي محدد، وعندما يغيب الاستقرار والتخطيط، يصبح أي مشروع فني مهددًا بالفشل مهما بلغت كفاءة القائم عليه.

و
تشير عدة مؤشرات إلى أن الإشكال الحقيقي يبدأ من مستوى التسيير، حيث تعاني الجامعة التونسية لكرة القدم من:
ضعف في الحكامة وغياب رؤية استراتيجية طويلة المدى
تواتر الصراعات الإدارية التي تنعكس سلبًا على استقرار المنتخبات
قرارات متسرعة تفرضها ضغوط النتائج بدل منطق البناء
في ظل هذا السياق، يجد المدرب نفسه أمام واقع معقد، يُطلب منه تحقيق نتائج فورية دون توفير شروط العمل المثالية.

و
على الصعيد التقني، يلاحظ المتابعون غياب هوية لعب مستقرة للمنتخب التونسي خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى:
تردد في تجديد التركيبة البشرية
عدم وضوح الاختيارات التكتيكية
صعوبة التوفيق بين التجربة والشباب
وهي عوامل تحدّ من قدرة المنتخب على التطور والمنافسة على أعلى المستويات القارية.كما أنه
لا يقل العامل النفسي أهمية عن الجوانب الفنية والإدارية، حيث يلعب اللاعبون تحت ضغط جماهيري وإعلامي كبير، في مناخ يسوده الشك وفقدان الثقة. هذا الوضع يؤثر مباشرة على الانسجام داخل المجموعة وعلى الأداء في المباريات الحاسمة.و
يبقى الجمهور التونسي عنصر قوة حقيقي، لما يتميز به من وعي كروي وشغف كبير بالمنتخب الوطني. غير أن هذا الجمهور، الذي اعتاد رؤية منتخب بلاده حاضرًا في كبرى المحافل الإفريقية والعالمية، بات يطالب اليوم بإصلاحات حقيقية بدل حلول ظرفية.
إن واقع المنتخب التونسي يؤكد أن العودة إلى القمة لا يمكن أن تتحقق بتغيير المدربين فقط، بل تتطلب إصلاحًا شاملًا يبدأ من:
إعادة هيكلة الجامعة وتحديث أساليب التسيير
ترسيخ مبادئ الشفافية والاستقرار
اعتماد مشروع فني واضح المعالم
توفير مناخ صحي يحمي المدرب واللاعب من الارتجال والضغوط
وحده هذا المسار كفيل بإعادة المنتخب التونسي إلى موقعه الطبيعي بين كبار القارة الإفريقية.