
لم يكن صباح المدينة القديمة عاديًا هذا اليوم. فمع أولى جرافات الهدم، لم تسقط الجدران وحدها، بل سقطت معها ذكريات أجيال كاملة، وأصوات طفولة، وحكايات أجداد كانوا يومًا ما هنا، بين أزقة ضيقة صنعت تاريخ المكان وروحه.
بوطويل، درب المعيزي، كاشبار، وجزء من درب الإنجليز… أسماء ليست مجرد أحياء، بل صفحات حيّة من الذاكرة الجماعية. بيوت تعاقبت عليها الأجيال، وعاشت بين جدرانها أفراح وأحزان، أعراس وجنازات، ولقاءات لم تكن تعرف الزمن.

اليوم، تحوّلت تلك الأحياء إلى ركام صامت، يختزن في داخله ما لا تستطيع الجرافات محوه: ذاكرة الناس.
المشهد كان قاسيًا على الساكنة، خاصة أولئك الذين وجدوا أنفسهم يودّعون منازل لم تكن فقط مأوى، بل امتدادًا للهوية والانتماء. كثيرون وقفوا على مسافة، يراقبون الهدم بعيون دامعة، في صمت يختصر وجع الفقد.
ورغم أن السلامة والمصلحة العامة تظل أولوية لا نقاش فيها، فإن الهاجس الأكبر يظل هو الإنسان.
تمكين الساكنة من السكن البديل قبل الهدم والترحيل ليس امتيازًا، بل حقًّا مشروعًا، يخفف من قسوة الانتقال ويصون كرامة من عاشوا عمرًا كاملًا في هذه الأحياء.

